قبيل 23 شتنبر.. الملك يضع الأحزاب أمام امتحان الأخلاق السياسية

في خضم الحملة الانتخابية استعدادًا للاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تعود إلى الواجهة دعوة جلالة الملك محمد السادس إلى تخليق الحياة البرلمانية والسياسية، باعتبارها رهانًا يتجاوز مجرد تنظيم الانتخابات واحترام قواعد التنافس، ليشمل طبيعة الخطاب السياسي وسلوك الفاعلين ومدى قدرتهم على تغليب المصلحة العامة على الحسابات الحزبية والانتخابية الضيقة.
فالانتخابات لا تستمد قيمتها فقط من صناديق الاقتراع، وإنما كذلك من مستوى النقاش العمومي الذي يسبقها، ومن طبيعة النخب التي تفرزها وقدرتها على تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام.
وفي هذا السياق، تكتسي الرسالة التي وجهها جلالة الملك إلى المشاركين في الندوة الوطنية المنظمة بمناسبة الذكرى الستين لإحداث البرلمان المغربي أهمية خاصة، بعدما شدد فيها على ضرورة تخليق الحياة البرلمانية من خلال اعتماد مدونة للأخلاقيات ذات طابع قانوني ملزم، إلى جانب الارتقاء بجودة النخب البرلمانية والمنتخبة وتعزيز حضور النساء والشباب داخل المؤسسات التمثيلية.
وتضع هذه الدعوة المسؤولية الأخلاقية والسياسية للمنتخب في صلب العملية الديمقراطية، باعتبار أن النائب البرلماني لا يمثل فقط حزبًا أو دائرة انتخابية، وإنما يتحمل مسؤولية ترتبط بالمصلحة العامة وبصورة المؤسسات لدى المواطنين.
وتزداد أهمية هذا الطرح في المرحلة الراهنة، التي تتحول فيها المنافسة الانتخابية إلى فضاء تتداخل فيه البرامج والخطابات والشعارات، بما يجعل الحاجة ملحة إلى أن يقوم التنافس السياسي على الأفكار والحلول والقدرة على تدبير الشأن العام، بعيدًا عن المزايدات والصراعات الشخصية أو توظيف مطالب المواطنين لخدمة حسابات انتخابية ظرفية.
ومن هذا المنظور، فإن تخليق الحياة السياسية لا يقتصر على التصدي للممارسات التي تخالف القانون، بل يشمل أيضًا ترسيخ ثقافة سياسية جديدة تجعل من المسؤولية والمصداقية والالتزام بالوعود ركائز أساسية للعلاقة بين المنتخب والناخب.
كما أن دعوة جلالة الملك إلى تغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين على الحسابات الحزبية تطرح سؤالًا جوهريًا حول الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأحزاب والمؤسسات المنتخبة خلال المرحلة المقبلة.
فالمغرب يواصل تنزيل أوراش كبرى وإصلاحات مهيكلة تتطلب مؤسسات قادرة على التشريع والمراقبة وتقييم السياسات العمومية، وهو ما يجعل الحاجة إلى نخب سياسية تتوفر على الكفاءة والنزاهة والقدرة على الحوار أكبر من أي وقت مضى.
وعليه، فإن جودة الانتخابات لا تقاس فقط بمستوى المشاركة فيها، وإنما كذلك بقدرتها على إنتاج مؤسسات فعالة وقادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تعرفها البلاد.
ومن جهة أخرى، فإن الدعوة إلى تعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة تجعل المسؤولية مشتركة بين الدولة والأحزاب والمنتخبين والمواطنين. فالثقة لا تُبنى بالخطابات الانتخابية وحدها، وإنما تتشكل من خلال الممارسة اليومية، ومدى احترام المنتخب لالتزاماته، وقدرة المؤسسات على الإنصات للمواطن والدفاع عن مصالحه، إلى جانب وضوح القواعد المؤطرة للمنافسة السياسية.
وفي هذا الإطار، تمثل الحملة الانتخابية الحالية فرصة لقياس مدى انتقال النقاش السياسي من منطق الوعود العامة إلى تقديم برامج واقعية وحلول قابلة للتنفيذ، قادرة على الاستجابة للانتظارات الفعلية للمواطنين.
وبهذا المعنى، تبدو الدعوة الملكية إلى تخليق الحياة السياسية والبرلمانية رهانًا يتجاوز استحقاق 23 شتنبر المقبل، ليشمل مستقبل الديمقراطية التمثيلية في المغرب وتعزيز مكانة المؤسسات المنتخبة.
فالمطلوب لا يقتصر على الوصول إلى يوم الاقتراع في ظروف سليمة، بل يتعداه إلى بناء ممارسة سياسية ترفع من قيمة المؤسسات، وتعزز مكانة العمل الحزبي والبرلماني، وتمنح المواطن أسبابًا إضافية للثقة في اختياراته الانتخابية.
وبينما تتنافس الأحزاب والمرشحون على أصوات الناخبين، تظل الرسالة الأساسية أن الديمقراطية لا تنتهي عند صناديق الاقتراع، بل تبدأ فعليًا بعد إعلان النتائج، عندما تتحول الوعود إلى مسؤوليات، والمقاعد إلى التزامات تجاه الوطن والمواطن.




