الرئيسيةكتاب الرأي

الشباب المغربي وفقدان الثقة في الأحزاب: أزمة مشاركة أم أزمة تمثيل؟

ادريس شكير

يعيش جزء كبير من الشباب المغربي اليوم حالة من اللامبالاة السياسية، بل وأحياناً قطيعة شبه تامة مع الفاعلين السياسيين التقليديين، وعلى رأسهم الأحزاب والمؤسسات التمثيلية. لم تعد الخطابات السياسية تغري، ولا الوعود الانتخابية تقنع، ولا البرامج الحزبية تلامس انشغالات هذه الفئة الحيوية التي تمثل أكثر من ثلث سكان المغرب.

أزمة ثقة… وليست فقط عزوفاً

أكثر من مجرد “عزوف انتخابي”، تعكس هذه الوضعية أزمة ثقة حقيقية في المؤسسات السياسية، وهي أزمة تعود جذورها إلى عوامل متعددة، على رأسها تكرار نفس الوجوه في المشهد الحزبي، غياب المصداقية في الخطاب السياسي، وضعف الإنجاز على أرض الواقع.

فرغم ما يتم الترويج له من شعارات حول تجديد النخب، وإشراك الشباب في العمل السياسي، تبقى المشاركة الحقيقية محدودة، ومشروطة، في كثير من الأحيان، بالولاء أو المصالح.
برلمان لا يشبههم…

حين يسأل الشباب عن رأيهم في البرلمان أو في أداء المنتخبين، تكون الإجابة في الغالب محبطة: “لا أحد يمثلنا”، أو “جميعهم يتكلمون ولا يفعلون شيئاً”، وهي مؤشرات تدعو للقلق، ليس فقط لأنها تعكس فقدان الثقة، بل لأنها تكشف أيضاً عن فجوة خطيرة بين الجيل الجديد ومراكز القرار.
أحزاب خارج السياق؟

في عصر الرقمنة، وسرعة تداول المعلومة، لم تستطع أغلب الأحزاب السياسية مواكبة تطلعات الشباب. الخطاب الحزبي ما يزال تقليدياً، جامداً، ومناسباتياً، بعيداً عن القضايا التي تشغل الشباب فعلياً، مثل التشغيل، التعليم، العدالة الاجتماعية، والولوج للمعلومة والمشاركة في القرار.

منصات التواصل… البديل السياسي الجديد؟

في غياب فضاءات سياسية تؤطر وتنفتح على الشباب، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى متنفس بديل، وحتى إلى أدوات “مقاومة ناعمة”. هناك يصنع الشباب رأيهم، ويناقشون قضاياهم، بل وينتقدون أداء السياسيين بأسلوب ساخر أحياناً، لكنه صادق، ويعبر عن قلق عميق من مستقبل لا يملكون مفاتيحه.

الفرصة ما زالت قائمة

رغم هذه الصورة القاتمة، لا يمكن القول إن الشباب غير مهتم بالشأن العام، بل العكس. الحركات الاجتماعية، المبادرات الجمعوية، ونقاشات مواقع التواصل، كلها تعكس طاقة كامنة يمكن استثمارها، بشرط أن تتوفر الجدية والإرادة السياسية الحقيقية لإعادة بناء الجسور المقطوعة.

إن الثقة لا تُطلب، بل تُكتسب، ولا تُفرض بالقوانين، بل تُبنى بالأفعال. ولذلك، فإن على الأحزاب المغربية، إن أرادت فعلاً تجديد دمائها، أن تفتح المجال أمام طاقات شابة حقيقية، لا واجهات دعائية. كما أن على الدولة أن تخلق فضاءات تشاركية حقيقية تُشعر الشباب بأن صوتهم مسموع، وأن مساهمتهم في بناء الوطن ليست مجرد شعار.

الشباب لا يعادي السياسة، بل يعادي الكذب السياسي. هو لا يرفض المشاركة، بل يرفض التهميش. وما لم يُستوعب هذا الدرس، فإن فجوة الثقة ستزداد، وقد ندفع جميعاً ثمنها في المستقبل القريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى