
يبدو أن “اقتصاد المنصات” في المغرب لم يعد يكتفي باستنزاف عرق جبين أصحاب الخوذات الصفراء، بل قرر الدخول في مغامرة “السخرية السياسية” من أوسع أبوابها. ففي مدينة طنجة، حيث تستعد “كتائب الدراجات النارية لخدمات التوصيل” لخوض شكلا احتجاجيا يوم 12 يناير أمام مقر شركة غلوفو بمنطقة النجمة حسب تعميم رقمي لهم، ظهر ضيف غير متوقع على ملصقات التعبئة: زعيم حزب “المصباح” عبد الإله بنكيران بشحمه ولحمه، وكأنه قرر فجأة اعتزال السياسة والاشتغال “ريدر” لتوصيل البيتزا والشوارما.
الواقعة التي بدأت كدعوة عمالية للمطالبة بإنصاف “جيش التوصيل” من مقصلة التسعيرات الجديدة، تحولت إلى “بوز” سياسي بامتياز بعد إقحام صورة بنكيران في الإعلان الترويجي للوقفة. هذا الزج “غير القانوني” دفع الأمين العام للعدالة والتنمية إلى الخروج عن صمته، ليس للدفاع عن “حقوق الشغيلة” هذه المرة، بل للدفاع عن “حق صورته” من الاستغلال في معارك لا ناقة له فيها ولا جمل.
بنكيران، الذي يبدو أنه سئم من نسب كل شيء إليه، سارع إلى نفي أي صلة له بـ “ثورة الموتورات” في طنجة، واصفا الأمر بمحاولة تضليلية بائسة. بل وذهب أبعد من ذلك، حين رمى الكرة في ملعب “الذكاء الاصطناعي” أو “الغباء البشري” المتعمد، ملوحا بسلاح المساطر القانونية ضد من سولت له نفسه تحويل زعيم سياسي إلى “أيقونة” لعمال الديليفري، في مشهد سريالي يجمع بين عبثية التكنولوجيا وواقعية الاستغلال التجاري.

وبعيدا عن “قفشات” السياسة وصورة بنكيران التي طارت في المجموعات الافتراضية، تبقى المعركة الحقيقية فوق الإسفلت. عمال غلوفو في طنجة لا تهمهم “مرجعية الحزب” بقدر ما تهمهم “مرجعية الدرهم”. فقرار الاحتجاج جاء ردا على “هندسة مالية” جديدة للشركة، قلصت من تسعيرة الكيلومتر وجعلت من “نقطة الانطلاق” مجرد رقم لا يسمن ولا يغني من جوع، في ظل غلاء المحروقات ومخاطر الطريق.
إن استدعاء صورة بنكيران، سواء كان بغرض التعبئة الشعبوية أو كمجرد “مزحة رقمية”، كشف عن هشاشة المشهد؛ حيث تداخلت مطالب الخبز اليومي بصراعات الرموز السياسية. فبينما يهدد بنكيران بالمقاضاة صونا لبرستيجه السياسي، يهدد العمال بشل حركة التوصيل صونا لكرامتهم المعيشية، ليبقى المواطن الطنجاوي تائها بين انتظار “طلبية الطعام” المتأخرة، وبين فهم “الطلبية السياسية” التي وضعت بنكيران على ظهر دراجة نارية في مخيلة “الفيسبوكيين”.
الواقعة تفتح الباب قانونيا أمام إشكالية “الحق في الصورة” في عصر الذكاء الاصطناعي، وسياسيا أمام كيفية استغلال القضايا الاجتماعية لغايات تعبوية غير بريئة، بينما يظل الجوهر هو الصراع بين “رأس المال الرقمي” وعمال يطالبون بالعدالة في الأجر قبل العدالة في “الصورة”.


