
تأخذ فعاليات الاحتفال برأس السنة الأمازيغية “إيض يناير” بالمملكة المغربية هذا العام توجها أكثر غنى وثراء، باعتبار المغرب ملتقى الحضارات، وجسر ربط الغرب بالجنوب، لهذا تتعدد الاحتفالية صيغا مبدعة، وأشكالا متجددة، وتظاهرات ذات دلالة، يتقاطع فيها البعد الحضاري والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، ليجسد الحدث محطة زمنية كبرى تبرهن على عبقرية المملكة المغربية في صهر روافدها الثقافية ضمن بوتقة واحدة.
وجدير بالذكر أن القرار الملكي السامي الذي رسم هذه المناسبة عطلة وطنية رسمية، أعطى دفعة قوية لمسار تثبيت الإرث الأمازيغي في الوجدان الجماعي، باعتبار هذا التعدد هو الروح النابضة للهوية المغربية الموحدة التي تنتقل أمانة غالية من جيل إلى جيل.
وفي السياق تؤكد فعاليات أمازيغية مدنية أن الأهازيج والطقوس العريقة التي تؤسس للبعد الثقافي والفني والحضاري للأمازيغية، تحتل مكانة مركزية في فعاليات “إيض يناير” كرافعة استراتيجية للتنمية السوسيو-اقتصادية، لتتجاوز البعد الرمزي مرسخة الذكرى وقيم فلسفة الوحدة بالتعدد والتعدد بالوحدة الوطني، ففي مختلف الربوع الأمازيغية، من سوس العالمة إلى قمم الأطلس وتخوم الريف، يتحول التراث إلى طاقة إيجابية تنعش الصناعة التقليدية وترفع الإقبال على المنتجات المجالية، مما يجسد قدرة المغرب الفريدة على استثمار موروثه كوقود للمستقبل.
هذا الزخم الثقافي يتجلى في انتعاش حرف صياغة الحلي الفضية، وحياكة الأزياء التقليدية التي باتت تتسابق الأسر المغربية على اقتنائها، في إشارة بليغة إلى التمسك بالجذور. ولا تقتصر هذه المظاهر على الاحتفاء بالماضي، بل تمتد لتلمس حاضر الحرفيين والمنتجين الصغار، حيث تفتح المناسبة قنوات تسويق مباشرة لـ “كنوز الأرض” من زيت الأركان وزيت الزيتون، مما يحرك عجلة الاقتصاد التضامني ويمنح أملاً جديداً لتعاونيات المناطق القروية.
إن تحول “إيض يناير” إلى مهرجانات وتظاهرات تمتد لأيام، يعكس إرادة وطنية صلبة لترسيخ القيم الثقافية في أذهان الناشئة. فالحرص الجماعي على إحياء طقوس “تاكلا” و”أوركيمين” وتزيين الأطفال بالحلي التقليدية، هو في جوهره عملية “تلقيح ثقافي” تضمن استمرار الهوية المغربية في تلاحمها الفريد؛ حيث تعانق الأمازيغية الأصيلة الروافد العربية والحسانية والأندلسية في لوحة وطنية لا تقبل التجزئة.
وجدير بالذكر أن الاحتفاء برأس السنة الأمازيغية في المغرب اليوم هو إعلان صريح بأن المملكة تسير بخطى واثقة نحو المستقبل، متسلحة بهويتها كقوة ناعمة ومحرك للتنمية. هو عنوان للأمل في وطن يتصالح مع تاريخه ليصنع مجده، محولا التنوع الثقافي إلى ثروة وطنية مستدامة، تكرس قيم العيش المشترك وتفتح آفاقا رحبة للازدهار تحت الرعاية الملكية السامية.




