
كشفت النسخة الحالية من كأس أمم إفريقيا للسيدات، التي يحتضنها المغرب للمرة الثالثة على التوالي، عن توجه جديد في تدبير التظاهرات الرياضية الكبرى، يقوم على التركيز على جودة التنظيم والالتزام بدفتر تحملات الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (الكاف)، بدل الاعتماد على مظاهر احتفالية مكلفة لا ترتبط مباشرة بنجاح المنافسة.
وبرز هذا الاختيار منذ حفل افتتاح البطولة، الذي جاء بسيطاً من حيث الشكل والمدة، لكنه اتسم بمستوى عالٍ من الاحترافية، من خلال احترام المعايير التنظيمية المعتمدة، وضمان متطلبات البث التلفزيوني، وتأمين الملاعب، واستقبال الجماهير، دون اللجوء إلى عروض ضخمة أو تجهيزات استعراضية إضافية.
وبحسب معطيات متداولة، اعتمد المغرب خلال هذه النسخة على استثمار البنيات التحتية المتوفرة، وتنفيذ متطلبات “الكاف” بدقة، مستفيداً من التراكم الذي حققته المملكة خلال السنوات الأخيرة في مجال المنشآت الرياضية والخدمات اللوجستية والتنظيمية.
وتتوفر المملكة اليوم على منظومة متكاملة تشمل ملاعب حديثة، ومراكز تدريب مجهزة، وفنادق تستجيب لمتطلبات المنافسات الدولية، وشبكات نقل فعالة، إلى جانب خبرة بشرية وتقنية وأمنية راكمتها من خلال احتضان عدد من التظاهرات القارية والدولية.
ورغم عدم توفر أرقام رسمية تقارن ميزانية النسخة الحالية بالدورات السابقة، فإن المؤشرات المتاحة تعكس انتقال المغرب من مرحلة إثبات القدرة على التنظيم إلى مرحلة استثمار المكتسبات القائمة، عبر ترشيد النفقات مع الحفاظ على جودة الخدمات واحترام المعايير المطلوبة.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة بالنظر إلى توسع البطولة في نسختها الحالية إلى 16 منتخباً و34 مباراة، بعدما كانت تضم 12 منتخباً في النسختين السابقتين، وهو ما رفع حجم المتطلبات المرتبطة بالإقامة والتنقل والتداريب والتغطية الإعلامية، دون الحاجة إلى إطلاق مشاريع ظرفية جديدة، بفضل جاهزية البنيات الحالية.
ويرى متابعون أن هذا النهج يعكس الدروس المستخلصة من التجارب التنظيمية السابقة، وعلى رأسها احتضان المغرب لكأس أمم إفريقيا للرجال، حيث عززت المملكة مكانتها كوجهة قادرة على تنظيم كبرى المنافسات القارية، بفضل منشآت رياضية ولوجستية حظيت بإشادة مسؤولي “الكاف”.
كما أن نجاح التظاهرات الرياضية الكبرى لم يعد يقاس فقط بحجم الاحتفالات المصاحبة لها، بل بمدى قدرة البلد المنظم على توفير تجربة متكاملة للمنتخبات والجماهير والإعلام، وهو توجه ينسجم مع التحول الذي يشهده المغرب في مجال تدبير الأحداث الرياضية.
ويؤشر هذا الاختيار على نضج النموذج المغربي في تنظيم البطولات، عبر إعطاء الأولوية للاستثمار المستدام في المنشآت والخدمات، بدل التركيز على عناصر مؤقتة تنتهي بانتهاء المنافسات، بما يعزز قدرة المملكة على احتضان استحقاقات رياضية متتالية بكفاءة أكبر.
ويأتي ذلك في سياق استعدادات المغرب لاحتضان استحقاقات كبرى مستقبلاً، وفي مقدمتها كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، مستنداً إلى رصيد تنظيمي متنامٍ وحضور متزايد على الساحة الرياضية القارية والدولية.




