الرئيسيةسياسة

تغييرات حكومية متزامنة في المغرب وإسبانيا.. الشراكة أمام اختبار جديد

بالتزامن مع دخول المغرب مرحلة جديدة من مشاورات تشكيل الحكومة، بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المكلفة بتشكيلها، تتجه إسبانيا بدورها إلى تغيير سياسي محتمل، عبر انتخابات تشريعية مبكرة مقررة في 29 نونبر المقبل.

وهكذا يجد البلدان الجاران نفسيهما، في ظرف زمني متقارب، أمام إعادة ترتيب للمشهد الحكومي، وإن اختلفت السياقات والدوافع؛ ففي الرباط تجري مشاورات تشكيل أغلبية جديدة بعد الانتخابات التشريعية، بينما اختارت مدريد الاحتكام مجددا إلى صناديق الاقتراع عقب تعثر الحكومة في تمرير إجراءات مرتبطة بأزمة السكن.

وفي إسبانيا، تضع الانتخابات ثلاثة أسماء في قلب المعركة السياسية، يتعلق الأمر برئيس الحكومة الاشتراكي بيدرو سانشيز، وزعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونييث فيخو، ورئيس حزب “فوكس” سانتياغو أباسكال.

وبينما يخوض سانشيز السباق دفاعا عن بقائه في قصر مونكلوا، يسعى فيخو إلى تحويل موقع حزبه الانتخابي إلى رئاسة فعلية للحكومة، بعد تجربة 2023، في حين يراهن أباسكال على تعزيز وزن “فوكس” في البرلمان، بما قد يجعله طرفا في مفاوضات تشكيل الأغلبية.

ولا يتعلق الأمر فقط بهوية الحزب الذي سيتصدر النتائج، بل أيضا بتركيبة البرلمان وقدرة أي معسكر على بناء تحالفات تسمح بتشكيل حكومة قادرة على الاستمرار.

وتأتي الانتخابات الإسبانية في سياق داخلي ضاغط، تتصدره أزمة السكن وارتفاع كلفة الإيجار، بعدما رفض البرلمان إجراءات حكومية مرتبطة بالملف، وهو ما شكل إحدى المحطات التي دفعت سانشيز إلى تقديم موعد الانتخابات إلى 29 نونبر.

كما تتزامن هذه التطورات مع استمرار الخلافات داخل المعسكر اليساري، في مقابل حضور قوي للحزب الشعبي و”فوكس” في المشهد الانتخابي. وهذه المعطيات تجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على مفاوضات سياسية قد تبدأ مباشرة بعد إعلان النتائج، خصوصا إذا لم تفرز صناديق الاقتراع أغلبية واضحة.

وفي المغرب، تبدو الصورة مختلفة من حيث المؤسسات والسياق، لكنها تشترك مع الحالة الإسبانية في كونها مرحلة لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية. فقد دخلت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة مرحلة متقدمة، بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، وبدأت الأحزاب في تحديد مواقفها من المشاركة في الأغلبية المقبلة، فيما أعلنت أحزاب، من بينها الاستقلال، استعدادها للمشاركة، بينما اختارت قوى أخرى موقع المعارضة.

وبذلك، تتحرك الرباط ومدريد، في الوقت نفسه، نحو مشهد حكومي جديد، وإن كانت آليات الانتقال السياسي في كل بلد مختلفة.

وتكتسب هذه المصادفة السياسية أهمية أكبر لأن المغرب وإسبانيا ليسا مجرد بلدين متجاورين، بل شريكان في ملفات ترتبط مباشرة بالمصالح الاستراتيجية للطرفين، من التجارة والاستثمار والطاقة، إلى الأمن والهجرة ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، فضلا عن التعاون في مجالات البنية التحتية والنقل والصيد والسياحة.

كما أن العلاقة الثنائية ترتبط بإطار أوسع هو الاتحاد الأوروبي، ما يجعل أي تحول في السياسة الإسبانية ذا انعكاسات محتملة على جزء من علاقة الرباط بأوروبا، خصوصا في الملفات التي تلعب فيها مدريد دورا محوريا.

وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز الانتخابات ذاتها: هل يمكن أن يؤثر تغيير الحكومات في البلدين على مسار الشراكة المغربية الإسبانية؟

وتظهر التجربة الأخيرة للعلاقات بين الرباط ومدريد أن التحولات السياسية الداخلية لم تمنع البلدين من تطوير التعاون في عدد من الملفات، ما يعكس ارتباط جزء مهم من الشراكة بمصالح استراتيجية ومؤسساتية تتجاوز الأشخاص والأحزاب.

لكن وصول حكومة إسبانية جديدة، خصوصا إذا تغيرت تركيبة الائتلافات وتبدلت أولوياتها في ملفات الهجرة أو السياسة الخارجية أو العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، قد يفرض إعادة ترتيب لبعض الأولويات أو أساليب تدبيرها.

وعلى ما يبدو، وضعت سنة 2026 المملكتين الجارتين أمام اختبار سياسي متزامن: المغرب بصدد بناء حكومته الجديدة، وإسبانيا تستعد لاختيار برلمان وحكومة جديدين.

غير أن الرهان بالنسبة إلى الرباط ومدريد لا يتعلق فقط بمن سيجلس في مكاتب السلطة، وإنما بقدرة المؤسسات على الحفاظ على استمرارية المصالح المشتركة وسط التحولات السياسية.

فالجغرافيا لا تتغير بتغير الحكومات، كما أن المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية بين البلدين باتت أوسع من أن تختزل في لون سياسي عابر. غير أن طريقة إدارة هذه المصالح وأولوياتها قد تتأثر بالتركيبة الجديدة التي ستفرزها صناديق الاقتراع والمشاورات السياسية في البلدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى