
في السنوات الأخيرة، ومع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً تطبيق “تيك توك”، برزت ظاهرة جديدة أثارت جدلاً واسعاً في الفضاء الرقمي المغربي، تتمثل في خروج بعض الحسابات للتعليق والتحليل في قضايا لا تزال معروضة على أنظار القضاء، بل وأحياناً إصدار أحكام مسبقة، وتوجيه اتهامات، والتشكيك في قرارات ابتدائية أو في مجريات البحث.
هذه الظاهرة، التي تتغذى على سرعة النشر وقوة الانتشار، خلقت ما يشبه “محاكم افتراضية” موازية، لا تخضع لأي ضوابط قانونية أو مهنية، حيث يختلط فيها الرأي بالخبر، والتحليل بالتشهير، والمعلومة بالإشاعة، في غياب تام لمبدأ قرينة البراءة، واحترام سرية البحث، واستقلال السلطة القضائية.
بين حرية التعبير والفوضى الرقمية
لا خلاف على أن حرية التعبير حق دستوري مكفول، وأن النقاش العمومي حول القضايا العامة جزء من حيوية المجتمع. غير أن هذا الحق، حين يُستعمل خارج ضوابطه، يتحول إلى وسيلة ضغط وتشويش على مسار العدالة.
فبعض المحتويات المتداولة اليوم لا تكتفي بالتعليق، بل تتجاوز ذلك إلى تقديم روايات نهائية، وتوجيه اتهامات خطيرة، ونسب وقائع لأشخاص ومؤسسات دون أحكام قضائية، وهو ما قد يشكل مساساً بحقوق الأفراد، وبسمعة مؤسسات الدولة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة أو ما تزال في طور البحث القضائي.
خطورة “القاضي الافتراضي”
الأخطر في هذا المشهد الرقمي الجديد هو ظهور أشخاص يقدمون أنفسهم كخبراء في القانون، أو كفاعلين حقوقيين، أو حتى كجهات “مطلعة” على ملفات دولية، ويقومون ببث محتويات توحي للرأي العام بأنهم يملكون الحقيقة الكاملة.
هذا النمط من الخطاب يخلق ارتباكاً لدى المتلقي، ويدفع البعض إلى اعتبار ما يُنشر على المنصات الاجتماعية بديلاً عن المساطر القضائية الرسمية، في حين أن الحقيقة القانونية لا تُبنى إلا داخل المحاكم، وفق إجراءات دقيقة، وضمانات قانونية واضحة.
المؤسسات القضائية بين الصمت والحسم
القضاء المغربي، باعتباره سلطة مستقلة، يشتغل وفق مساطر مضبوطة، وبآليات تحقيق وبحث قد تستغرق وقتاً لضمان الوصول إلى الحقيقة كاملة. وفي كثير من القضايا، تكون السرية ضرورة لحماية مجريات التحقيق وضمان سلامة الإجراءات.
غير أن هذا الصمت الإجرائي يتم استغلاله أحياناً في الفضاء الرقمي لبناء روايات موازية، قد تؤثر على الرأي العام، وتخلق انطباعات غير دقيقة حول ملفات ما زالت قيد الدراسة.
مسؤولية جماعية في مواجهة التضليل
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تقع فقط على عاتق المؤسسات، بل هي مسؤولية جماعية تشمل صناع المحتوى، والفاعلين الإعلاميين، والمستخدمين أنفسهم.
فالمطلوب اليوم هو ترسيخ ثقافة رقمية قائمة على التحقق، واحترام القانون، وعدم الانجرار وراء المحتوى المثير الذي يستهدف الربح أو الانتشار على حساب الحقيقة.
كما أن بعض الفاعلين، بما في ذلك محامين أو أشخاص ذوي ظهور إعلامي، مطالبون باحترام أخلاقيات المهنة، وعدم تحويل الملفات القضائية إلى مواد للعرض الإعلامي أو الاستهلاك الرقمي، خصوصاً عندما تكون ما تزال في مراحلها الأولى.
إن العدالة ليست مادة للترفيه الرقمي، ولا يمكن اختزال القضايا المعقدة في مقاطع قصيرة أو تعليقات عابرة. فالدولة، بمؤسساتها القضائية والأمنية، تمتلك من الآليات والخبرة ما يكفل معالجة الملفات وفق القانون، بعيداً عن الضجيج الافتراضي.
وفي ظل هذا الواقع الجديد، يبقى التحدي الأكبر هو التوفيق بين حرية التعبير من جهة، وحماية العدالة وحقوق الأفراد من جهة أخرى، في زمن أصبحت فيه “المنصة” أسرع من “المحكمة”، لكن ليست أكثر عدلاً منها.




