سياسة

رغم الضغوط الداخلية والانتقادات الأوروبية.. إسبانيا تتمسك بشراكتها مع المغرب

رغم العاصفة السياسية والدبلوماسية التي خلفتها أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة المحتلة، تبدو الحكومة الإسبانية ماضية في الحفاظ على استراتيجيتها الحالية تجاه المغرب، متمسكة بخيار التعاون الوثيق مع الرباط باعتباره ضرورة استراتيجية لا يمكن لمدريد الاستغناء عنها، خصوصا في ملفات الهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

وكشفت صحيفة “إلباييس” الإسبانية أن رئاسة الحكومة والوزارات المعنية لا تدرس، في الوقت الراهن، إجراء تغيير جوهري في السياسة المتبعة تجاه المغرب أو تعديل لهجتها الدبلوماسية تجاه الرباط.

ويستند هذا الموقف، وفق مصادر حكومية نقلت عنها الصحيفة، إلى تقييم يعتبر أن التعاون المغربي لعب دورا حاسما في احتواء تداعيات الأزمة وتسريع إعادة أكثر من 70 ألف شخص خلال ساعات قليلة، بعدما شهدت المنطقة الحدودية في نهاية يوليوز تحركات جماعية قالت الصحيفة إن حجمها بلغ نحو 80 ألف مهاجر.

وتؤكد مدريد، في السياق ذاته، أنها لم تتوصل حتى الآن إلى أدلة تثبت تعمد السلطات المغربية التسبب في الأزمة، مشيرة+ إلى أن الرباط استعادت السيطرة على الوضع لاحقا، وأحبطت آلاف محاولات العبور، كما تعاونت في عمليات الإعادة السريعة.

وتشدد مصادر من رئاسة الحكومة الإسبانية على أن التحقيق في ملابسات الأحداث لم ينته بعد، وأن تحديد المسؤوليات وفهم جميع تفاصيل ما جرى لا يزال يتطلب استكمال المعطيات. غير أنها تستبعد، في المقابل، حدوث تحول جذري في العلاقات الثنائية.

وترى مدريد أن الحفاظ على أعلى مستويات التعاون مع المغرب يظل هدفا أساسيا، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها ضمن ملفات استراتيجية تمس المصالح الإسبانية بشكل مباشر، خاصة مكافحة الهجرة غير النظامية والأمن ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.

وفي الوقت نفسه، تقر الأوساط الحكومية الإسبانية بأن العلاقة بين البلدين تقوم على نوع من الاعتماد المتبادل، وأن المغرب بدوره يستفيد من علاقات مستقرة مع إسبانيا، بما يجعل خيار التصعيد غير مرغوب فيه من الجانبين.

ويعزز هذا التوجه الموقف الذي عبر عنه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز خلال زيارته إلى سبتة، حين أكد استمرار الاتصالات مع السلطات المغربية، مشيرا إلى أن الرباط أبدت استعدادها للتعاون من أجل تسريع عمليات إعادة المواطنين المغاربة.

وربط سانشيز اندلاع الأزمة بانتشار قراءة مضللة لحكم قضائي إسباني عبر شبكات تهريب البشر ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤكدا أن مواجهة الهجرة غير النظامية تقتضي مواصلة التعاون مع المغرب، إلى جانب دول العبور والمنشأ.

غير أن تمسك الحكومة الإسبانية بخطها الحالي يواجه انتقادات متزايدة داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية في إسبانيا. فقد دعا عدد من السفراء السابقين والخبراء والمسؤولين السابقين إلى اعتماد لهجة أكثر حزما تجاه الرباط، معتبرين أن استمرار التعاون لا ينبغي أن يحول دون وضع خطوط حمراء واضحة في العلاقات الثنائية.

في المقابل، يرى دبلوماسيون إسبان آخرون أن بناء العلاقة مع المغرب على أساس الثقة والتعاون يظل أكثر فاعلية من الدخول في سياسة مواجهة قد تكون لها تداعيات سلبية على المصالح المشتركة.

ولا تقتصر الضغوط التي تواجهها مدريد على الداخل الإسباني، إذ تتعرض الحكومة أيضا لانتقادات أوروبية بشأن طريقة إدارتها للأزمة وسياساتها في مجال الهجرة، في وقت تبدي فيه الحكومة الإسبانية استياءها مما تعتبره نقصا في التضامن الأوروبي وتقاسما غير كاف للأعباء المرتبطة بالهجرة.

ومع استمرار وجود آلاف المهاجرين والقاصرين وطالبي اللجوء في سبتة، تبدو الأولوية الإسبانية في المرحلة الحالية واضحة: احتواء تداعيات الأزمة أولا، والحفاظ على استقرار العلاقة مع المغرب، وتأجيل أي مراجعة محتملة للهجة الدبلوماسية أو الاستراتيجية المتبعة إلى مرحلة لاحقة.

ويبدو أن أزمة سبتة، ورغم حدتها السياسية والإنسانية، لم تدفع مدريد حتى الآن إلى إعادة النظر في الرهان على الرباط، بل عززت، وفق التقييم الإسباني، الحاجة إلى استمرار التنسيق والتعاون بين البلدين في مواجهة الملفات العابرة للحدود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى