سفيان نهرو: بين “شغلو هذاك” والتلويح بالرحيل: وهبي.. مسار من الانفلاتات التي تهدد التماسك الحكومي

حين تصل العلاقة بين الحكومة وهياكل مهنية ضاربة في القدم كجمعيات هيئات المحامين إلى حافة القطيعة الشاملة، ويتحول مرفق العدالة من فضاء لإنصاف المتقاضين إلى ساحة للصراع العقيم وشلل المحاكم، فإن الأزمة تتجاوز منطق “الاختلاف القطاعي” لتصبح تهديدا مباشرا للأمن القضائي والسلم الاجتماعي.
في هذه اللحظة المفصلية، لا يعود الصمت حكمة، بل يصبح تقصيرا في أمانة المسؤولية، وهنا برز تدخل رئيس الحكومة عزيز أخنوش لا كقفز على الاختصاصات كما روج البعض، بل كفعل سيادي ودستوري ينسجم مع جوهر صلاحياته كمنسق للعمل الحكومي وضامن للسير العادي للمرافق العمومية.
إن القراءة المتأصلة لهذا التدخل تؤكد أنه لم يكن إنقاصا من شأن وزارة العدل، بل كان إنقاذا للدولة من “نرجسية” سياسية كادت أن تحرق الأخضر واليابس في قطاع لا يحتمل التجريب أو لغة “لي الذراع”.
إن ما شهدناه في هذا الملف هو تجسيد حي للفارق بين “رجل الدولة” الذي يستوعب الأزمات ويفتح قنوات الحوار، وبين “السياسي الصدامي” الذي يقتات على إثارة الزوابع.
فبينما كان وزير العدل عبد اللطيف وهبي يمعن في تشخيص الصراع، محولا نصوصا قانونية تقنية إلى معركة “إثبات ذات” وشخصنة مفرطة، جاء تدخل أخنوش ليعيد الأمور إلى نصابها المؤسساتي. ولا أستبعد شخصيا أن هذا التدخل جاء ترجمة لقرار سام حكيم، تعلو في مصالح الوطن على خطاب الذات المفرطة في النرجسية.
في التجارب الدولية العريقة، وتحديدا في النموذج الفرنسي الذي نستلهم منه الكثير من ممارساتنا القانونية، يتدخل رئيس الوزراء مباشرة حين يعجز وزير قطاعي عن احتواء أزمة تشل مرفقا حيويا. هذا التدخل لا يفهم هناك كـ “سحب ثقة”، بل كـ “ضبط إيقاع” لمصلحة المواطن الذي هو الغاية الأسمى من وجود الحكومة. غير أن الوزير وهبي، وبدلا من استثمار هذا المخرج السياسي لحفظ ماء وجهه، اختار الهروب إلى الأمام بمنطق “أنا أو الفوضى”، متناسيا أن الوزارة تكليف لا تشريف، وأن هيبة الدولة تسمو فوق الطموحات الشخصية الضيقة.
ولعل أخطر ما سجل في هذه النازلة هو ما راج حول “تلويح” الوزير بالاستقالة أو رفضه للتعديلات التي ممكن التوافق حولها مع المحامين. وهنا يجب التوقف مليا.عند “الأعراف المغربية” الراسخة في تدبير الشأن العام.
في المغرب، الوزير لا “يستقيل” بقرار فردي طائش وكأنه في شركة خاصة، بل “يطلب الإعفاء” تأدبا مع الجناب الشريف، جلالة الملك، الذي هو صاحب سلطة التعيين والاقتراح وفق الوثيقة الدستورية.
إن لغة التلويح بالاستقالة في هذا السياق ليست فقط “خروجاً عن النص” السياسي، بل هي ممارسة تفتقر للحس البروتوكولي والسياسي الذي يفرضه الانتماء إلى حكومة صاحب الجلالة. الوزير الذي يلوح بالرحيل احتجاجا على تصحيح مسار أزمة تسبب فيها بلسانه وعنجهيته، إنما يضع نفسه في صدام ليس مع رئيس الحكومة فحسب، بل مع منطق “الدولة” برمته. فكيف لمن تجرأ يوما على استعمال لغة غير لائقة في حق جلالة الملك بقوله “شغلو هذاك” في سياق تعليقه على اختصاصات ملكية، أن يستوعب اليوم أبجديات “التضامن الحكومي” أو “التحفظ المهني”؟ إن هذه السقطات اللفظية والمواقف “النرجسية” تجعل من الوزير عبئا سياسيا ثقيلا، وتجعل من قراراته قنابل موقوتة تهدد التماسك الحكومي.
إن التدخل الذي قام به عزيز أخنوش وجد مبرره القوي في تجارب دولية كبرى، حيث لا يسمح للوزراء بتحويل وزاراتهم إلى “إقطاعيات” خاصة. في ألمانيا مثلا، يملك المستشار سلطة “تحديد الخطوط العريضة للسياسة العامة”، وإذا انحرف وزير عن هذا الخط بما يهدد الاستقرار، فإن التدخل يكون فوريا وحاسما. ما قام به رئيس الحكومة في المغرب هو ممارسة لهذا “الحق/الواجب” لحماية المتقاضين من ضياع حقوقهم بسبب “عناد” غير مبرر. فالمحامي ليس مجرد مهني، بل هو “جناح العدالة”، وبناء علاقة صدامية معه هو بحد ذاته فشل سياسي ذريع لوزير العدل.
إن “عنجهية” وهبي التي تجلت في إصراره على تمرير مقتضيات تضرب في العمق حق الدفاع، لم تكن قوة موقف بل كانت ضعف رؤية، وهي التي أدت إلى انسداد الأفق أمام أي حل داخلي في الوزارة، مما جعل تدخل رئاسة الحكومة “ضرورة ديمقراطية” لا مفر منها.
علاوة على ذلك، فإن تمرد الوزير الضمني على التوافقات الكبرى واعتراضه على مخرجات الوساطة المحتملة يضعه عمليا “خارج الحكومة” قبل أن يخرج منها رسميا. فالانسجام الحكومي ليس مجرد شعار، بل هو وحدة حال ومصير. والوزير الذي يعارض توجهات رئيسه في ملف استراتيجي يمس الأمن القضائي، إنما يختار طواعية مقعد “المعارضة من داخل المؤسسة”، وهو وضع شاذ لا يمكن أن يستمر طويلا في ظل نظام دستوري واضح المعالم. إن هذا السلوك المنفلت ينذر بقرارات عليا قد تكون قاسية ولكنها ضرورية لـ “لجم لسان” و”كبح جماح” مسؤول لم يستطع التمييز بين حماس الفارس الذي يحارب الطواحين الهوائية ورصانة رجل الدولة.
إن الدولة المغربية بمؤسساتها العريقة وتاريخها الدستوري لا يمكن أن ترهن مصالح ملايين المتقاضين لنزوات سياسية عابرة أو لرغبة في “الاستعراض” اللفظي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
بالنظر إلى مآلات الأمور، يظهر أن رئيس الحكومة اختار “الحكمة” وهذه تحسب له ، في مواجهة “الاندفاع”، واختار “المؤسسات” في مواجهة “الأشخاص”. لقد أعطى أخنوش وهو يحزم حقائبه درسا في إدارة الأزمات الكبرى، مؤكدا أن الحفاظ على استمرارية المرفق العام هو الخط الأحمر الذي لا يسمح لأي وزير، مهما بلغت درجة “شخصنته” للملفات، أن يتجاوزه… ولا أظن هذا التعقل إلا ترجمة لتوجيهات سامية ضمن اختصاصات رئيس الدولة.
وفي المقابل، يجد وهبي نفسه اليوم في عزلة سياسية وأخلاقية… فمن جهة خسر ثقة الجسم المهني للمحامين، ومن جهة أخرى أظهر عدم انضباط للأعراف السلطانية والسياسية المغربية بتلويحه بمواقف لا تليق بوزير في حكومة ذات أعراف راسخة في علاقتها مع المؤسسة الملكية. إن استعادة هيبة الدولة تمر بالضرورة عبر إعادة الاعتبار للمؤسسات وتكريس مبدأ أن “المسؤولية تقترن بالمحاسبة”، ليس فقط على النتائج، بل أيضا على “السلوك السياسي” والخطاب العمومي.
في تصوري يبدو واضحا أن قرار رئيس الحكومة لم يكن مجرد “وساطة”، بل كان “فعل سيادة” ترجم قرارا سياديا أعلى فأعاد القطار إلى سكته الصحيحة. أما الطرف الآخر في المعادلة، فقد أثبت أن “الذكاء القانوني” إن وجد، لا يغني أبدا عن “الحكمة السياسية”.
إن التاريخ السياسي المغربي سيسجل أن أخنوش في آخر ولايته تدخل ليحمي “العدالة” من “وزير العدل”، وأن “عنجهية” الأفراد تتحطم دائما.على صخرة “رزانة” الدولة. والمستقبل القريب كفيل بترتيب الآثار القانونية والدستورية على من اعتقد أن موقعه الحكومي يمنحه حق التعالي على المؤسسات أو التجرؤ على الأعراف التي بنيت عليها الدولة المغربية عبر القرون. إن العودة للعمل في المحاكم ليست مجرد انتصار للمحامين أو للحكومة، بل هي انتصار للمواطن المغربي الذي وجد في الملكية “صمام أمان” يحميه من نيران الصراعات الشخصية التي أراد وهبي حرق الجميع بها.




