
في خطوة تعكس تحولا عميقا في تدبير المجال الجنائزي، دخل المغرب مرحلة جديدة من التنظيم القانوني والصحي لعمليات نقل الأموات واستخراج الجثامين من القبور، بعد صدور قرار مشترك حديث بالجريدة الرسمية يحدد معايير دقيقة تهدف إلى حماية الصحة العامة وتعزيز احترام كرامة الموتى، في سياق يتقاطع فيه البعد الإنساني مع متطلبات السلامة البيولوجية والرقابة الإدارية.
هذا القرار، الذي صدر بتاريخ 12 فبراير 2026، ووقعه وزير الصحة والحماية الاجتماعية ووزير الداخلية، جاء ليؤطر بشكل مفصل ثلاث مراحل حساسة: الدفن، نقل الجثامين، واستخراجها من القبور، واضعا بذلك إطارا تنظيميا موحدا يراعي المعايير الطبية والوقائية الحديثة، ويعالج الثغرات التي كانت تطرح تحديات عملية أمام الجماعات المحلية والمؤسسات الصحية.
ويشار أن أحد أبرز التحولات التي حملها النص الجديد يتمثل في فرض شروط تقنية صارمة على نقل الأموات، حيث أصبح إلزاميا استعمال سيارات مخصصة حصريا لهذا الغرض، مجهزة بمقصورة معزولة ومغطاة بمواد سهلة التعقيم، مع نظام تبريد يحافظ على درجة حرارة مناسبة طوال مدة النقل، إضافة إلى وجود حاجز يفصل بين السائق ومكان الجثمان، فضلا عن إشارات ضوئية ومنبه صوتي لضمان سلامة عملية النقل واحترام طابعها الخاص. كما ألزم القرار تعقيم المركبات بعد كل استعمال، وإخضاع السائقين لمراقبة صحية دورية، في خطوة تعكس وعيا متزايدا بالمخاطر البيولوجية المرتبطة بنقل الجثامين.
أما على مستوى تجهيز الجثامين، فقد وضع القرار معايير مختلفة بحسب سبب الوفاة. ففي حالات الأمراض المعدية الخطيرة، مثل الطاعون أو الإيبولا أو الحمى النزفية، يتوجب وضع الجثة مباشرة داخل صندوق من الزنك محكم الإغلاق يمنع تسرب السوائل والغازات، ثم إدخاله في صندوق خشبي مطابق للمواصفات، دون غسل أو تحنيط. بينما يسمح في حالات أخرى، مثل بعض الأمراض التنفسية، بتنظيف الجثة قبل وضعها في صندوق مطابق للمعايير. ويعكس هذا التفصيل الطبي محاولة للحد من خطر انتقال العدوى حتى بعد الوفاة، وهو خطر أثبتت التجارب الصحية العالمية أنه حقيقي في ظروف معينة.
غير أن أكثر النقاط حساسية في هذا التنظيم الجديد تتعلق باستخراج الجثامين من القبور، وهي عملية ترتبط غالبا باعتبارات قانونية أو عائلية أو قضائية أو دينية.
وفي الصدد ذاته، حدد القرار آجالا زمنية دنيا تختلف حسب طبيعة المرض الذي تسبب في الوفاة. ففي بعض الحالات يمكن استخراج الجثة بعد مرور سنة واحدة، بينما تمتد المدة إلى ثلاث سنوات في حالات أمراض مثل الكزاز أو الكوليرا، وقد تصل إلى خمس سنوات في حالات الأمراض الأكثر خطورة مثل الجمرة الخبيثة والطاعون والإيبولا. ويستند هذا التدرج الزمني إلى اعتبارات صحية مرتبطة بدرجة بقاء العوامل الممرضة في التربة والجثة، وهو ما يعكس اعتماد مقاربة علمية في تحديد الآجال.
وفي هذا الصدد، فرض القرار إجراءات وقائية صارمة على العاملين في عمليات استخراج الجثامين، تشمل ارتداء ملابس واقية كاملة ذات استعمال واحد، تتكون من بذلة مقاومة للماء وقفازات مزدوجة وقناع ونظارات واقية وأحذية مطاطية، إضافة إلى ضرورة تلقي بعض اللقاحات الوقائية ضد أمراض مثل التهاب الكبد والكزاز. كما يتعين تعقيم موقع القبر قبل وبعد العملية، مع احترام مسافة أمان للحاضرين، والتخلص من المخلفات وفق قواعد تدبير النفايات الطبية.
وفي هذا السياق يأتي هذا القرار امتدادا لمسار إصلاحي بدأ منذ سنوات، إذ سبق للمغرب أن أصدر مرسوما سنة 2022 لتنظيم معاينة الوفاة ودفن الجثث ونقلها واستخراجها، بهدف تبسيط الإجراءات وتعزيز المراقبة الصحية والإدارية لهذه العمليات. كما أن الإطار القانوني المغربي، المستند إلى ظهير 1969 وتعديلاته، كان يشترط منذ البداية الحصول على إذن من السلطات المحلية قبل نقل أو استخراج أي جثة، مع إمكانية رفض العملية إذا شكلت خطرا على الصحة العامة، ما يؤكد أن البعد الوقائي ظل حاضرا في التشريع المغربي، لكنه أصبح اليوم أكثر دقة وتفصيلا.
تتجاوز أهمية هذه المقتضيات بعدها التقني لتلامس تحولات أعمق في إدارة المجال الجنائزي بالمغرب، خاصة في ظل التوسع العمراني وارتفاع الضغط على المقابر، وتزايد حالات نقل الجثامين داخل المغرب وخارجه، سواء لأسباب عائلية أو قضائية أو دينية. كما تعكس هذه الإجراءات إدماج المغرب للمعايير الصحية الدولية في تدبير ما بعد الوفاة، وهو مجال ظل لعقود محكوما بتقاليد اجتماعية أكثر من كونه منظما بمعايير علمية صارمة.
وجدير بالذكر أن هذا التنظيم الجديد يترجم محاولة لتحقيق توازن دقيق بين احترام حرمة الموتى وضمان حماية الأحياء. فالجثة، في المنظور القانوني، ليست مجرد أثر بيولوجي، بل كيان تحيط به حماية قانونية وصحية، ويستلزم تدبيره مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع. وبين مقتضيات الصحة العامة واعتبارات الكرامة الإنسانية، يرسم المغرب اليوم معالم مرحلة جديدة، عنوانها تحديث تدبير الموت بما يليق بحرمة الحياة نفسها.




