
قبل عقدين، كان المغرب يعتمد بشكل كبير على استيراد احتياجاته من الطاقة، غير أن المملكة، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، أطلقت تحولاً استراتيجياً جعلها اليوم من أبرز الدول الإفريقية في مجال الطاقات المتجددة، والربط الكهربائي العابر للحدود، والشراكات الدولية في قطاع الطاقة.
ومنذ اعتلاء جلالة الملك العرش، احتل الأمن الطاقي والاستدامة مكانة محورية ضمن النموذج التنموي للمملكة، حيث تم اعتماد استراتيجية وطنية تستهدف رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة بحلول سنة 2030، في خطوة تعكس توجه المغرب نحو ترسيخ الاقتصاد الأخضر وتعزيز استقلاليته الطاقية.
وشهد قطاع الطاقات المتجددة طفرة نوعية بفضل إطلاق مشاريع كبرى، يتقدمها مركب “نور” للطاقة الشمسية بورزازات، المصنف ضمن أكبر المحطات الشمسية في العالم، إلى جانب إنجاز عدد من مزارع الرياح بمختلف جهات المملكة. وأسهمت هذه المشاريع في الرفع التدريجي لقدرات إنتاج الكهرباء من مصادر نظيفة، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، لتصل مساهمة الطاقات المتجددة حالياً إلى نحو 47 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة.
وخلال سنة 2026، واصل المغرب تعزيز موقعه في مجال الانتقال الطاقي، مدعوماً بثقة المؤسسات المالية الدولية. ففي أبريل الماضي، صادق البنك الدولي على تمويل بقيمة 500 مليون دولار لدعم برنامج المملكة الخاص بالنمو الأخضر وخلق فرص الشغل، مع التركيز على تطوير الطاقات المتجددة، وتحسين النجاعة الطاقية، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص، وتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية.
وفي إطار الرؤية الملكية الرامية إلى جعل المغرب منصة استراتيجية للطاقة بين إفريقيا وأوروبا، عززت المملكة موقعها عبر الربط الكهربائي مع إسبانيا بواسطة خطين يمران عبر مضيق جبل طارق، لتصبح الدولة الإفريقية الوحيدة المرتبطة مباشرة بالشبكة الكهربائية الأوروبية. كما يجري العمل على إنجاز خط ثالث سيرفع القدرة الإجمالية للربط إلى 1500 ميغاواط، إلى جانب مشاريع مستقبلية للربط مع البرتغال وفرنسا.
وتشكل هذه البنيات التحتية ركيزة أساسية في طموح المغرب للتحول إلى مصدر رئيسي للطاقة النظيفة وبوابة لتبادل الكهرباء بين القارتين، وهو ما يتعزز من خلال الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، الذي يعتزم، عبر برنامج “البوابة العالمية”، تعبئة استثمارات تناهز 5.5 مليار يورو لتمويل مشاريع استراتيجية بالمملكة تشمل الطاقات المتجددة، وتطوير سوق الكهرباء، والبنية التحتية الخضراء.
وفي السياق ذاته، وقع المغرب والنرويج خلال شهر ماي 2026 اتفاقية تعاون في مجالي المناخ والطاقة المتجددة، في إطار المادة السادسة من اتفاق باريس للمناخ، وهي شراكة يُنتظر أن تدعم تطوير مشاريع لإنتاج وتخزين الطاقة المتجددة بقدرة تصل إلى 2 جيغاواط، مع استقطاب استثمارات إضافية لقطاع الطاقة النظيفة.
وبالتوازي مع هذا التحول، يواصل المغرب تنفيذ استراتيجية متكاملة لتعزيز أمنه الطاقي عبر تطوير البنية التحتية الخاصة بالغاز الطبيعي، وفي مقدمتها مشروع خط أنابيب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يعد أحد أكبر المشاريع الطاقية في القارة.
وانطلق هذا المشروع سنة 2016 عقب مباحثات جمعت جلالة الملك محمد السادس بالرئيس النيجيري الراحل محمد بخاري، ويجسد رؤية المملكة الرامية إلى تعزيز التعاون جنوب–جنوب، وترسيخ الاندماج الاقتصادي بين دول غرب إفريقيا.
ويمتد خط الأنابيب المرتقب على مسافة تقارب 6900 كيلومتر بمحاذاة الساحل الأطلسي، عابراً أكثر من اثنتي عشرة دولة قبل وصوله إلى المغرب، باستثمار يناهز 25 مليار دولار، وبقدرة نقل تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، بما يساهم في تلبية احتياجات الدول المشاركة من الطاقة، ودعم مشاريع التصنيع وإنتاج الكهرباء، وفتح آفاق لتزويد الأسواق الأوروبية مستقبلاً.
وشهد المشروع خلال الأسبوع الماضي محطة مفصلية، بعد توقيع الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) اتفاقية حكومية دولية تؤطر تنفيذه، وهي خطوة تمهد لإحداث شركة مشتركة للإشراف على المشروع، ووضع آليات التمويل، وإرساء إطار قانوني وتنظيمي يجمع مختلف الدول المعنية.
ويعكس هذا المسار المتكامل، الذي يجمع بين التوسع في الطاقات المتجددة، وتعزيز الربط الكهربائي، وتطوير مشاريع الغاز الاستراتيجية، رؤية ملكية بعيدة المدى تهدف إلى ترسيخ مكانة المغرب كمركز قاري للطاقة، وبوابة استراتيجية تربط إفريقيا بأوروبا، بما يدعم التنمية المستدامة، ويعزز التكامل الاقتصادي الإقليمي، ويرسخ موقع المملكة ضمن أبرز الفاعلين في مستقبل الطاقة النظيفة على المستوى القاري.




