اقتصادالرئيسية

من برلين إلى الرباط.. المغرب يعزز آفاق تطوير الصناعة السككية

على مدى أربعة أيام، استقطب الرواق المغربي في الدورة الخامسة عشرة لمعرض “إنوترانس”، أحد أبرز المعارض العالمية المتخصصة في تكنولوجيات النقل، ولا سيما السكك الحديدية، اهتمام فاعلين من أوروبا وآسيا والعالم العربي، سعوا إلى التعرف عن قرب على المشاريع التي ينفذها المغرب من خلال المكتب الوطني للسكك الحديدية.

وتجاوز هذا الاهتمام، خلال الموعد الذي جمع في برلين 3190 عارضًا يمثلون 59 بلدًا، حدود الاستطلاع والتعرف على التجارب، ليتحول إلى شراكات واتفاقيات عملية، وفق الحصيلة التي قدمها نائب المدير العام للمكتب الوطني للسكك الحديدية، محمد السموني.

ويرتبط هذا الاهتمام ببرنامج استثماري طموح تتجاوز قيمته 10 مليارات دولار في أفق سنة 2030، من شأنه أن يمنح الصناعة السككية المغربية دفعة قوية، ويعزز مكانتها ضمن القطاعات الصناعية الاستراتيجية للمملكة، إلى جانب صناعات السيارات والطيران.

وبعدما راكم المغرب خبرة مهمة في قطاعي الطرق والطيران، يتجه اليوم إلى إحداث تحول واسع في منظومته السككية، من خلال تمديد الخط فائق السرعة من القنيطرة إلى مراكش، وتطوير خدمات النقل السككي للقرب، إلى جانب تحديث البنيات التحتية القائمة.

ويتجسد هذا التوجه أيضًا في طلب 168 قطارًا جديدًا من الجيل الأخير من شركات “ألستوم” و”CAF” و”هيونداي روتيم”. ويعتزم المكتب الوطني للسكك الحديدية الاستفادة من هذه الطلبيات لتطوير التصنيع المحلي، عبر إنتاج جزء من المعدات المتحركة داخل المملكة وتعزيز الاندماج الصناعي بشكل تدريجي.

ومن هذه الأوراش انطلقت دينامية اللقاءات التي شهدها معرض برلين، حيث عقد المكتب الوطني للسكك الحديدية مباحثات مع عدد من شركائه التاريخيين، من قبيل “ألستوم” و”روتيم” و”CAF” و”CRRC” و”Strukton” و”GCF” و”Colas”، إلى جانب فتح قنوات تواصل جديدة في مجالات أصبحت أساسية لتطوير السكك الحديدية، خصوصًا الأنظمة الذكية.

وعكس حجم الاهتمام بالمغرب حضور عدد من المسؤولين والفاعلين البارزين في الرواق المغربي، من بينهم رئيس الشركة الوطنية الفرنسية للسكك الحديدية “SNCF”، جان كاستيكس، ووزير النقل الفرنسي، فيليب تابارو، وكاتب الدولة الألماني المكلف بالنقل، أولريش لانغه، الذي وصف تطور شبكة القطارات فائقة السرعة بالمغرب بأنه “مثير للإعجاب”.

كما أبرز المسؤول الألماني الفرص الاستثمارية التي يتيحها البرنامج السككي المغربي، بالنظر إلى حجم الاستثمارات المبرمجة، معتبرًا أن التعاون الألماني المغربي يشكل شراكة “تعود بالنفع على البلدين”.

وفي هذا السياق، دعت سفيرة المغرب ببرلين، زهور العلوي، الفاعلين في قطاع السكك الحديدية بالمغرب وألمانيا إلى الاستفادة من الدينامية القائمة وتعزيز التعاون، استنادًا إلى متانة العلاقات التي تجمع البلدين.

وقد تُرجمت هذه الدعوة إلى خطوة عملية من خلال توقيع مذكرة تفاهم بين المكتب الوطني للسكك الحديدية و”DB Systemtechnik”، الفرع الهندسي التابع للمشغل الوطني الألماني للسكك الحديدية “Deutsche Bahn”، تهم مجالات الهندسة والصيانة، ولا سيما الصيانة الاستباقية والابتكار في القطاع السككي.

وعلى الجانب الفرنسي، تعزز التقارب الصناعي من خلال توقيع تجمع الصناعات السككية المغربية “MTI” مذكرة تفاهم مع المبادرة الأوروبية لتجمعات السكك الحديدية “ERCI”، إلى جانب اتفاقية مع اتحاد الصناعات السككية الفرنسي “FIF”.

ومن المنتظر أن يدخل التعاون بين “MTI” و”FIF” مرحلة عملية ابتداء من نونبر المقبل، مع برمجة زيارة مجموعة من الصناعيين الفرنسيين إلى المغرب لاستكشاف فرص الاستثمار والاستقرار بالمملكة، حيث رسخت عدد من المقاولات الفرنسية حضورها بالفعل.

ولا يقتصر التحول الذي يشهده قطاع السكك الحديدية المغربي على البنيات التحتية والمعدات المتحركة، بل يمتد أيضًا إلى المجال البيئي. فقد فاز مشروع “Rewater Train”، المطبق في الدار البيضاء والذي يجري تعميمه في القنيطرة وطنجة، بـ”جائزة التأثير المستدام 2026” في فئة الموارد الطبيعية، بفضل قدرته على إعادة استخدام 97 في المائة من المياه المستعملة في غسل القطارات بعد معالجتها.

كما بلغ مشروع “Inclusive Mobility”، المخصص لتيسير ولوج الأشخاص ذوي القدرة المحدودة على الحركة، المرحلة النهائية من جوائز الاتحاد الدولي للسكك الحديدية.

وترافقت هذه التتويجات مع حضور مهني مكثف للمكتب الوطني للسكك الحديدية، من خلال تعبئة نحو 40 إطارًا وموظفًا في معرض برلين للاطلاع على أحدث المعدات والحلول والتقنيات، في إطار ما وصفه محمد السموني بـ”الملتقى الكبير للفاعلين في قطاع السكك الحديدية عبر العالم”.

ومع اختتام فعاليات هذا الموعد الدولي، تستمر على أرض المملكة الاتصالات التي جرى إطلاقها خلال أيام المعرض، إذ ستحتضن الرباط يومي 14 و15 أكتوبر المقبل منتدى حول تمويل السكك الحديدية في إفريقيا، ينظمه المكتب الوطني للسكك الحديدية والاتحاد الدولي للسكك الحديدية بشكل مشترك، على أن يحل الصناعيون الفرنسيون بالمغرب في نونبر المقبل لاستكمال مباحثات التعاون والاستثمار.

و.م.ع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى