
قبل وقت طويل من انطلاق مباراة المغرب وهايتي، ضمن الجولة الثالثة من منافسات المجموعة الثالثة في نهائيات كأس العالم 2026، كانت أجواء النادي الرياضي ببانكستاون، جنوب غرب سيدني، قد بدأت تستقطب أعدادا كبيرة من أفراد الجالية المغربية، حيث امتلأت القاعات بالمشجعين، وزينت الأعلام الحمراء الموشحة بالنجمة الخضراء المكان، مضفية طابعا مغربيا خاصا على صباح شتوي بارد في أستراليا.
ومنذ السابعة صباحا، أي قبل انطلاق المباراة بساعة، توافد العشرات إلى هذا المركب الرياضي الذي بات على مدى السنوات فضاءً مفضلا لمتابعة مباريات أسود الأطلس. بعض الحاضرين جاءوا مباشرة بعد انتهاء عملهم الليلي، فيما أرجأ آخرون التزاماتهم المهنية، استجابة لنداء واحد يجمعهم: دعم المنتخب الوطني.
وتخللت هذه اللحظات أحاديث ودية امتزجت فيها كرة القدم بذكريات الوطن، مع استحضار مدن مغربية مختلفة، مثل الدار البيضاء والرباط والقنيطرة وأكادير، وتبادل أخبار الأهل والأقارب، بينما كانت الأنظار تتجه بين الحين والآخر نحو الشاشات العملاقة المنتصبة داخل القاعة.
وقالت وفاء حمو عثمان، خبيرة مالية تنحدر من الدار البيضاء وتعمل بإحدى شركات البرمجيات في سيدني، إن دعم المنتخب الوطني يمثل بالنسبة للجالية أكثر من مجرد تشجيع رياضي، مضيفة: “نعتبر أنفسنا اللاعب الثاني عشر داخل الملعب أينما كنا”.
وأوضحت أن هذه اللقاءات تتجاوز حدود الرياضة، مشيرة إلى أن “هذه اللحظات تعزز ارتباطنا بالمغرب وتذكرنا بأننا عائلة واحدة رغم المسافات”.
ومع تقدم دقائق المباراة، خفتت الأصوات تدريجيا داخل القاعة، لتحل محلها حالة من التركيز والترقب. وكل هجمة مغربية كانت تقابل بتفاعل جماعي، فيما كانت محاولات منتخب هايتي تثير لحظات من التوتر بين الحاضرين، في مشهد عكس تقلب المشاعر بين الأمل والقلق.
ومن بين الحاضرين أيضا زهرة بوعيا، الباحثة في مجال الأرصاد الجوية الفضائية بالمكتب الأسترالي للأرصاد الجوية، المنحدرة من القنيطرة، والتي تابعت اللقاء رفقة أصدقائها وأفراد من الجالية المغربية.
وقالت في هذا السياق: “المسألة تتجاوز كرة القدم. حتى إن اختلفت الآراء حول التفاصيل التكتيكية، فإن الشعور الجماعي هو ما يجمعنا. نحن نعيش فرحة واحدة تتقاسمها الأجيال، بحب مشترك للوطن”.
ومع صافرة النهاية التي أعلنت فوز المغرب على هايتي بأربعة أهداف مقابل هدفين، انفجرت القاعة فرحا. وارتفعت الأعلام المغربية في أجواء احتفالية عفوية، وتبادل الحاضرون التهاني والعناق رغم أن الكثير منهم يلتقي لأول مرة.
وتحوّلت القاعة إلى فضاء للأهازيج والأغاني الوطنية التي غطت على أصوات التعليق التلفزيوني، فيما ربطت مكالمات الفيديو بين سيدني ومدن مغربية مختلفة، حيث تقاسم الأهل والأصدقاء لحظات الفرح رغم المسافات التي تتجاوز 18 ألف كيلومتر.
وبهذا الفوز، ضمن المنتخب المغربي بطاقة العبور إلى الدور الـ32 بعد مشوار قوي في دور المجموعات، حيث استهل مشواره بتعادل أمام البرازيل (1-1)، ثم فوز على اسكتلندا (1-0)، قبل أن يختتمه بانتصار على هايتي (4-2)، ليجمع سبع نقاط أنهى بها الدور الأول في المركز الثاني خلف البرازيل.
ورغم أهمية التأهل، بدت الحسابات والترتيب تفاصيل ثانوية داخل قاعة بانكستاون، حيث طغت مشاعر الفرح والانتماء على كل شيء آخر.
وبين الطاولات المزدحمة بالأكواب والأوشحة الحمراء، استأنف الحاضرون أحاديثهم، هذه المرة حول الرابط الذي يجمعهم بالمغرب، وقدرة المنتخب على توحيد أفراد جالية تمتد عبر القارات، لكنها تلتقي حول هوية واحدة.
وفي نادي بانكستاون الرياضي، لم يكن الانتصار مجرد نتيجة رياضية، بل لحظة أعادت، ولو لساعات، نبض المغرب إلى قلب سيدني.
و.م.ع




