الرئيسيةكتاب الرأيمجتمع

الأمن القضائي في الميزان.. هل تبتلع الرقمنة حقوق المتقاضين وضمانات الدفاع؟

ع.ج

يعتبر المقرر القضائي في المنظومة القانونية المغربية الحلقة المفصلية التي تنهي النزاع وتنقله من ساحة الادعاء والمساجلات الورقية إلى واقع التنفيذ وترتيب الآثار القانونية، وهو ليس مجرد وثيقة إيقاعية بل تجسيد لسيادة القانون وحماية الحقوق، حيث كرس الدستور المغربي في فصله 117 دور القاضي كحام للحريات والأمن القضائي، كما أكد الفصل 124 على أن الأحكام تصدر وتنفذ باسم الملك، مما يمنحها هيبة دستورية ملزمة لا تقبل التراخي.

في هذا الصدد فهذه القوة القانونية لا تستقيم إلا بوجود ملف دعوى متكامل يضم كافة الإجراءات من مقالات افتتاحية ومذكرات جوابية ومحاضر جلسات وفق ما ينص عليه قانون المسطرة المدنية، إذ يشكل هذا الملف الذاكرة المادية التي تتيح لمحاكم الدرجة الثانية ومحكمة النقض ممارسة رقابتها القضائية وضمان احترام الشكليات الجوهرية التي يترتب على إغفالها بطلان الإجراءات، وهو ما يجعل من سلامة الملف ركيزة أساسية للأمن القضائي وحرمة التقاضي.

ولا خلاف حول كون الارتباط الوثيق بين عدالة الحكم وسلامة الملف يتجاوز الجوانب التنظيمية ليلامس جوهر حقوق الدفاع ومبدأ المواجهة بين الخصوم المنصوص عليه في الفصل 120 من الدستور، والمتناغم مع المعايير الدولية ولا سيما المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية…

حيث إن تمكين الأطراف من الاطلاع على الوثائق ومناقشتها وتدوين ذلك في محاضر رسمية هو ما يؤسس لثقة المتقاضي في نزاهة المسار قبل النتيجة.

وفي ظل التحول الرقمي الذي تشهده الإدارة القضائية بالمغرب تحت إشراف وزارة العدل، تبرز تحديات جديدة تتعلق بحجية الوثيقة الإلكترونية وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، فبالرغم من أن الرقمنة تسرع وتيرة البت في القضايا، إلا أنها تفرض معايير صارمة في التتبع والتأمين لضمان عدم ضياع حقوق المتقاضين نتيجة خلل تقني، مما يعني أن الانتقال نحو “المحكمة الرقمية” يتطلب موازنة دقيقة بين السرعة التقنية والضمانات القانونية الكلاسيكية.

في هذا السياق، نؤكد أن  تعزيز المصداقية في الجهاز القضائي يمر حتما عبر شفافية المساطر وصيانة الأرشيف القضائي، سواء كان ورقيا أو إلكترونيا، فالمقرر القضائي يظل عنوان الحقيقة القانونية، وأي وهن في ملف الدعوى الذي يحمل هذه الحقيقة قد يزعزع مشروعية الحكم ويقوض استقرار المعاملات، لذا فإن الاستثمار في حكامة تدبير الملفات القضائية وتطوير آليات الأرشفة والتبليغ يعد ضرورة ملحة لتحقيق الأمن القضائي الشامل.

وجدير بالذكر أن الحق لا يكفي أن يكون ثابتا في الجوهر بل يجب أن يكون محصنا في الشكل، لضمان عدالة ناجزة تحمي الأفراد والمؤسسات وتكرس دولة الحق والقانون في زمن أصبحت فيه الشفافية والرقمنة معيارين أساسيين لتقييم كفاءة الأنظمة القضائية العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى