
في ظل التحولات العميقة التي تعرفها صناعة التسلح عالمياً، وتنامي الدور الذي أصبحت تلعبه الطائرات المسيرة (الدرونات) كأداة رئيسية في الحروب الحديثة بفضل فعاليتها العالية وانخفاض كلفتها، يبرز توجه المغرب نحو تعزيز موقعه كفاعل صناعي وتكنولوجي في هذا المجال.
فلم يعد الأمر يقتصر على استيراد هذه التقنيات أو استخدامها، بل يتجه المغرب نحو تطوير منظومة صناعية دفاعية محلية قادرة على استقطاب كبريات الشركات الدولية، ونقل التكنولوجيا، ودمج المملكة في سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالصناعات الدفاعية.
وفي هذا السياق، يرتقب أن تُحدث شركة “ديلير” الفرنسية المتخصصة في تصنيع الطائرات المسيرة، ومقرها تولوز، فرعاً لها بالعاصمة الرباط تحت اسم “ديلير إفريقيا”، بهدف توسيع أنشطتها نحو القارة الإفريقية انطلاقاً من المغرب، وفق ما أوردته صحيفة “لوبينيون” الفرنسية.
وتشتهر الشركة بتطوير طائرات مسيرة موجهة أساساً لمهام الاستخبارات، ومراقبة الحدود، والمسح الجغرافي، من بينها طائرات قادرة على التحليق لساعات طويلة، وأخرى مزودة بأنظمة تشفير وتقنيات استشعار متقدمة.
ويندرج هذا التوجه في إطار دينامية أوسع لتوطين جزء من صناعة الدرونات بالمغرب، يمكن قراءتها من عدة زوايا استراتيجية. فمن جهة، يساهم في تعزيز الاستقلالية التكنولوجية تدريجياً وتقليص الاعتماد على الخارج في مجال حساس مرتبط بالأمن والدفاع. ومن جهة ثانية، يدعم نقل الخبرات والمعارف التقنية نحو الكفاءات الوطنية، بما يعزز تكوين قاعدة صناعية متخصصة في التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة.
كما أن هذا التموقع الصناعي من شأنه أن يفتح آفاقاً اقتصادية واعدة، عبر خلق فرص شغل ذات قيمة مضافة عالية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتطوير منظومة متكاملة مرتبطة بالبحث والتطوير والهندسة المتقدمة.
وعلى المستوى الإقليمي، يمنح هذا التوجه المغرب فرصة لتعزيز موقعه كمركز صناعي وتكنولوجي صاعد في إفريقيا، خاصة في مجالات المراقبة والأمن الحدودي وإدارة الأزمات، بما قد يعزز دوره الاستراتيجي داخل القارة.
وبذلك، فإن توطين صناعة الدرونات لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد ليشمل أبعاداً اقتصادية وتكنولوجية واستراتيجية، من شأنها إعادة تموقع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية للصناعات الدفاعية المتقدمة.




