الرئيسيةوطني
الأكثر رواجًا

استمرار المس بهيبة القضاء ومؤسسة الأمن وسط صمت مريب

هناك من يبدو أنه لم يعد يكتفي بإطلاق الاتهامات، ولا يجد حرجا في تحويل الخصومات الشخصية إلى حملات علنية، ولا يتردد في الزج بأسماء المؤسسات في خرجات متكررة تتجاوز حدود النقد والاختلاف. يطلق الكلام في كل اتجاه، ويوزع الاتهامات بسخاء، ويستعمل منصات التواصل الاجتماعي كما لو أنها محاكم خاصة، يصدر فيها الأحكام، ويحدد المسؤوليات، ويوزع صكوك البراءة والإدانة، دون أن يبدو أنه يستحضر دائما أن للكلمة مسؤولية، وأن للاتهام تبعات، وأن حرية التعبير ليست ترخيصا مفتوحا للاعتداء على حقوق الآخرين.

لقد أصبح من الصعب التعامل مع هذه الممارسات باعتبارها مجرد سجال عابر أو اختلاف في وجهات النظر. فالمعني بالأمر لم يكتف باستهداف أشخاص بعينهم، بل امتدت خرجاته إلى المؤسسة القضائية والأجهزة الأمنية، عبر اتهامات وادعاءات بالغة الخطورة، تارة في فضاءات المحاكم، وتارة أخرى أمام جمهور منصات التواصل الاجتماعي.

وحين يصبح التشكيك في المؤسسات وترويج الاتهامات بشأنها ممارسة متكررة، فإن الأمر يتجاوز الخصومات الفردية ليطرح سؤالا جديا حول حماية الثقة العامة في مؤسسات الدولة.

 

لقد كان مدير موقعنا من بين الذين طالتهم هذه الخرجات مرارا، وتعرض لاتهامات وعبارات تشهير علنية، لم تعد خافية على المتابعين. وقد اختار، كما يقتضي القانون، سلوك طريق الشكايات والاحتكام إلى المؤسسات المختصة، بدل الانجرار إلى منطق الرد بالمثل وتحويل الخلاف إلى حرب مفتوحة في الفضاء الرقمي.

لكن ما يثير الاستغراب أن هذه الشكايات لم يظهر، إلى حدود الساعة، أنها أفضت إلى مسار واضح يضع حدا لما تعرض له مدير الموقع. وكأن الشكاية تدخل نفقا إجرائيا مظلما، فلا عجب ونحن نملك أدلة على تدخل المعني بالأمر في المساطر.

لكننا لا نعرف متى تخرج الشكايات إلى الضوء، ولا متى نحصل على جواب يضع حدا للتساؤلات.

أما المعني بالأمر، فتستمر خرجاته، وتتكرر اتهاماته، وكأن الزمن القانوني لا يعنيه، أو كأن ما يقال على الملأ لا يستدعي جوابا من المؤسسات المعنية.

ونحن لا نطالب بإدانة مسبقة، ولا نضع أنفسنا مكان القضاء، ولا نطلب امتيازا لمدير موقعنا. نطالب فقط بأن تأخذ الشكايات مسارها القانوني، وأن يتم فحص الوقائع، والاستماع إلى الأطراف، وترتيب الآثار القانونية عند ثبوت الأفعال. فليس من المقبول أن يتحول الاحتكام إلى القانون إلى رحلة انتظار مفتوحة، بينما يستمر التشهير في المجال العام.

 الأخطر في خرجات هذا الشخص أنه لم يقف عند حدود اتهام الأفراد، بل بلغ به الأمر سابقا حد توزيع صكوك الرضا الملكي على بعض القضاة، وكأنه يمتلك سلطة معرفة من يحظى بالرضا الملكي ومن لا يحظى به، ومن يستحقه ومن يُحرم منه.

وهي ممارسة تثير أسئلة بالغة الخطورة حول حدود الجرأة على استدعاء الرمزية الملكية في نزاع قضائي، وحول مصدر هذه السلطة المزعومة التي تخول لشخص أن يقدم نفسه موزعا لشهادات الرضا الملكي.

من أعطى لهذا الشخص حق توزيع صكوك الرضا الملكي على القضاة؟ وبأي صفة يتحدث في أمر لا يملك بشأنه تفويضا ولا اختصاصا؟ وهل أصبح الرضا الملكي أداة في يد الأفراد لتزكية هذا القاضي أو التشكيك في ذاك، وتوجيه رسائل سياسية ورمزية من خلال نزاعات ذات طبيعة قضائية؟

إن الرضا الملكي ليس شهادة يوزعها الأفراد، ولا صكا يمنحونه للقضاة وفق أهوائهم ومواقفهم، ولا وسيلة لتصفية الحسابات أو التأثير الرمزي في صورة العدالة.

إن المؤسسة الملكية أسمى من أن تتحول رمزيتها إلى مادة للمزايدة أو إلى رصيد يستعمله البعض لإضفاء المشروعية على مواقفهم الشخصية.

ومن حق الرأي العام أن يتساءل عن خطورة هذا السلوك، وعن الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها أي شخص حين يتحدث في قضايا ترتبط بالمؤسسات الدستورية.

ويزداد هذا الأمر إثارة للاستغراب حين نضعه في سياق توظيف اسم جمعية تستند في تسميتها إلى تقسيم الشباب إلى ملكي وغير ملكي. وكأن الوطنية والولاء أصبحا درجات، وكأن بعض الأشخاص منحوا أنفسهم حق تصنيف المغاربة وتوزيع شهادات الانتماء إليهم.

إننا نرفض هذا المنطق من أساسه. فكل الشباب المغربي أبناء وطن واحد، ولا يحتاج أي شاب مغربي إلى جمعية تمنحه شهادة الولاء أو تعترف له بصفة الوطنية. والملكية ليست ملكا لجمعية أو شخص، والارتباط بثوابت البلاد ومؤسساتها ليس امتيازا تحتكره جهة أو وساما توزعه على من تشاء وتحجبه عمن تشاء.

إن المغرب أكبر من هذه التصنيفات الضيقة، وأعمق من أن تختزل وطنيته في أسماء جمعيات أو خطابات أشخاص نصبوا أنفسهم حراسا حصريين للولاء.

ومثل هذه التسميات، بما تحمله من إيحاءات تقسيمية، لا تخدم صورة المغرب ولا تعزز وحدته، بل تسيء إلى معنى المواطنة حين تجعل الانتماء الوطني موضوعا للمزايدة والتصنيف.

أما حين تمتد الاتهامات إلى المؤسسة القضائية والأجهزة الأمنية، فإننا نكون أمام مستوى آخر من المسؤولية. فهذه مؤسسات لا يجوز أن تتحول إلى موضوع للاتهامات المرسلة أو أدوات في معارك شخصية. ومن يملك أدلة على اختلال أو فساد أو تجاوز، فالقانون يتيح له سبل التبليغ والتقاضي، أما إطلاق الاتهامات الخطيرة وتكرارها أمام العموم فلا يعفي صاحبها من المسؤولية القانونية والأخلاقية.

إننا لا ندافع عن المؤسسات بمنع نقدها، ولا نطالب بإغلاق الأفواه أمام الصحافة أو المواطنين. بل نعتبر أن النقد حق، وأن كشف الاختلالات واجب، وأن مساءلة المسؤولين ضرورة. لكن هناك فارقا جوهريا بين النقد الذي يستند إلى الوقائع والحجج، وبين التشهير الذي يستهدف الأشخاص، وبين التبليغ المسؤول وبين تحويل الاتهامات إلى مادة للاستهلاك اليومي. لا يمكن أن تصبح خطورة الادعاء بديلا عن قوة الدليل، ولا أن تتحول منصات التواصل إلى فضاء يمنح الحصانة لمن يطلق الاتهامات الأكثر صخبا.

إن الصمت في مواجهة هذا الوضع يطرح أكثر من سؤال. لماذا لا تجد الشكايات، بحسب ما نتابعه، المسار الواضح الذي يبدد قلق المتضررين؟ لماذا يستمر هذا الخطاب رغم ما يتضمنه من اتهامات تمس مؤسسات حساسة؟ وهل المطلوب أن ينتظر المتضرر إلى ما لا نهاية حتى يشعر بأن القانون قد أنصفه؟

إن ترك مثل هذه الوقائع دون جواب مؤسساتي واضح لا يضر المتضررين وحدهم، بل يفتح الباب أمام تأويلات تمس الثقة في المؤسسات نفسها.

فالمواطن لا ينتظر من القضاء أن يرضي هذا الطرف أو ذاك، وإنما ينتظر أن يرى القانون حاضرا، وأن يدرك أن الحقوق لا تسقط بسبب الضجيج، وأن المساءلة لا تتوقف عند حدود الأشخاص أو صفاتهم أو الجمعيات التي يتحدثون باسمها.

ومن هذا المنطلق، نوجه نداءنا إلى الجهات القضائية المختصة، وإلى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، من أجل النظر في الوقائع والشكايات المثارة، وضمان التعامل معها بالجدية والسرعة اللتين تقتضيهما حماية الحقوق وصيانة هيبة القضاء. وما زلنا نثق في أن المؤسسة القضائية قادرة على وضع حد لهذا الوضع من خلال تطبيق القانون، دون انتقائية أو استثناء، ودون أن يكون لأي شخص امتياز خارج مقتضياته.

إننا لا نريد قضاء ينتصر لمدير موقعنا ضد شخص بعينه، بل نريد قضاء ينتصر للقانون، ويضمن لكل متضرر حقه في الإنصاف، ويضع حدا لكل ممارسة يثبت أنها تشكل اعتداء على الحقوق والحريات أو مساسا بالاعتبار الشخصي والمؤسساتي.

لقد آن الأوان ليتوقف هذا العبث. فلا أحد يملك حق احتكار الوطنية، ولا أحد يملك حق توزيع صكوك الرضا الملكي على القضاة، ولا أحد يملك حق تحويل المؤسسات القضائية والأمنية إلى موضوع للاتهامات المفتوحة دون تحمل مسؤولية ما يقول. ومن يرفع شعارات الولاء لا يصبح فوق القانون، ومن يتحدث باسم جمعية لا يحصل على حصانة، ومن يرفع صوته لا يكتسب بذلك سلطة على المؤسسات.

نريد دولة لا يخيف فيها الضجيج القانون، ولا تتحول فيها الرموز الوطنية إلى أدوات في الخصومات، ولا يصبح فيها التشهير وسيلة للنفوذ، ولا تظل فيها الشكايات حبيسة الانتظار.

إن هيبة الدولة لا تصان بالصمت عن التجاوزات، ولا بحماية من يعتقد أنه أكبر من المساءلة، بل بتطبيق القانون على الجميع، دون تمييز أو محاباة.

فإذا كان القانون يسائل المواطنين عن أفعالهم وأقوالهم، فمن حق المواطنين أيضا أن يسألوا: متى تتحرك المؤسسات لوضع حد لهذا التمادي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى