الإجرام المنظم في جنوب إفريقيا تفرض إعادة التفكير في المنظومة الأمنية
في خطوة تعكس حرج الحالة الأمنية، توسلت السلطات في جنوب إفريقيا بنشر وحدات من قوات الدفاع الوطني لمؤازرة جهاز الشرطة في عمليات ميدانية واسعة النطاق، تستهدف تقويض معاقل الجريمة المنظمة والعنيفة في الأقاليم الأكثر تضررا.
وبدأ الجيش الجنوب إفريقي، يوم 11 مارس، بالانتشار غرب العاصمة الاقتصادية جوهانسبورغ، بعدما رصدت الساكنة بين التوجس والذهول دخول عدد من المركبات المدرعة للمشاركة إلى جانب الشرطة في عمليات تفتيش، خصوصا في حيي “ريفرليا” و”ويستبري”، اللذين يشهدان بشكل متكرر عمليات إطلاق نار وجرائم قتل مرتبطة بحروب نفوذ بين عصابات الاتجار في المخدرات.
وتأتي هذه العملية، التي أعلن عنها الرئيس سيريل رامافوزا في فبراير والمقرر أن تستمر لمدة عام في عدة أقاليم من البلاد، استجابة لأزمة أمنية مستمرة تسجل في المتوسط أزيد من 60 جريمة قتل يوميا، لكنها تثير أيضا انتقادات من المعارضة وخبراء بشأن دور الجيش في حفظ النظام.
كما يندرج هذا الاستنفار، الذي جرى بموجب تفويض رئاسي يمنح المؤسسة العسكرية صلاحيات إسناد القوة العمومية، استجابة لمطالبة المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين بمواجهة العصابات الإجرامية التي باتت تهدد بتقويض الاستقرار الاجتماعي ومناخ الاستثمار.
وكان الرئيس رامافوزا قد أكد أن هذا الانتشار يمثل “عملية دستورية محكومة بضوابط دقيقة”، مشددا على التزامه بإخطار البرلمان بجدولتها الزمنية، ونطاقها الجغرافي، وكلفتها المالية، بهدف “توطيد الردع” كما حدث سابقا في ملف مناجم الذهب المهجورة.
وتشير المعطيات الرسمية لسنتي 2025/2026 إلى تعبئة عسكرية غير مسبوقة في البلاد، حيث تم نشر نحو 3300 جندي في إطار عملية “بروسبير” لدعم الشرطة بميزانية تجاوزت 1.1 مليار راند.
ويتركز هذا الانتشار استراتيجيا في أقاليم الكيب الغربي، وخاوتنغ، وكوازولو ناتال، مستهدفا شل حركة شبكات التعدين غير القانوني عبر اعتقال أكثر من 4000 شخص، إضافة إلى تخصيص وحدات ثابتة لحماية البنية التحتية لشركة توزيع الكهرباء “إسكوم” ضد التخريب المنظم.
وبعد ما يربو على ثلاثة أشهر من هذا الانتشار، الذي أدى إلى انخفاض مؤقت في معدلات الجريمة العنيفة تراوح بين 10 و15 بالمئة في بؤر التوتر الحضرية، مازالت قراءات الخبراء والمحللين الأمنيين متباينة حيال هذا التحول.
فبينما تنتقد أصوات وازنة من مغبة “عسكرة الأمن العام” والركون إلى حلول ترقيعية، يعتقد تيار “الواقعية الأمنية” أن الجيش يمثل “الملاذ الأخير لفرض النظام”، أمام توغل الجريمة المنظمة، وتنامي ترسانة العصابات المسلحة التي باتت تهدد قدرة الشرطة على الردع.
وفي هذا السياق، اعتبر غاريث نيوهام، من معهد الدراسات الأمنية، أن الاستنجاد بالجيش هو “اعتراف صريح بفقدان السيطرة الشرطية”، مؤكدا أن الجيش مدرب على “تحييد العدو” لا على حفظ النظام. وشدد على أن “الدبابات في الشوارع لا يمكنها جمع أدلة جنائية تدين المجرمين أمام المحاكم”.
من جانبه، نبه الباحث المستقل، ديفيد بروس، إلى وجود “فجوة ثقافية وعملياتية” كبرى بين الجندي والشرطي، محذرا من أن إقحام المؤسسة العسكرية في الأحياء المدنية قد يؤدي إلى “تطبيع العنف البنيوي للدولة”، ويترك ندوبا غائرة في العلاقة بين المجتمع والسلطة.
وفي نفس المنحى، أوضح غيي لامب، من جامعة ستيلينبوش، أن العصابات تمتلك قدرة عالية على التكيف، حيث “تتوارى عن الأنظار مؤقتا لتنتظر رحيل القوات”، معتبرا أن انتشار الجيش لا يعدو كونه “مسكن آلام” عوض أن يقدم علاجا شافيا لتفشي الإجرام. وأكد ضرورة التصدي للجذور العميقة للداء والذي يبدأ، وجوبا، بتجفيف منابع التمويل وتوفير البدائل التنموية للشباب.
وهو نفس الرأي الذي عبرت عنه شاندري غولد، الباحثة بمعهد الدراسات الأمنية في بريتويا، بقولها إن نشر الجيش لمكافحة الجريمة والعنف في خمسة أقاليم قد يشكل متنفسا مؤقتا صغيرا للمجتمعات والساكنة المتضررة، لكنه لا يحل بأي حال من الأحوال المشكلة على المدى الطويل.
وأبرزت أنه بالنظر إلى غياب خطة ممولة بشكل سليم للوقاية من العنف والجريمة، “فليس من المستغرب أن تضطر البلاد إلى اللجوء إلى تدابير طارئة مكلفة، من قبيل نشر قوات الجيش بتكلفة تقارب 883 مليون راند”، مشددة على أن اللجوء إلى الجيش لمعالجة ما هو في الأساس فشل في التخطيط والتنمية، يضع البلاد في دوامة من العنف والاختلال.
أما الخبيرة القانونية، تريسي لان فيلد، فأكدت أن الدستور، وإن سمح بهذا الانتداب الاستثنائي، فإنه يشترط بقاء الجيش تحت قيادة مدنية وبتفويض محدد، منبهة أن أي تمدد لهذا الدور خارج إطاره القانوني يمثل تهديدا لجوهر “الديمقراطية الدستورية”.
وبينما يتواصل السجال حول أهمية نشر الجيش في الشارع العام، بين فريق يتبنى “الواقعية الميدانية” كضرورة ملحة، وآخر يتوجس من “التآكل الديمقراطي” الذي قد ينجم عن هذا الإجراء، يجمع المراقبون أن الاستعانة بـ”البزة العسكرية” قد تمنح البلاد هدوءا مؤقتا أو وقتا مستقطعا لالتقاط الأنفاس.
وكالات




