
مولاي عبد الله الفيلالي
مع أولى زخات المطر، يبدو الحديث عن تحلية ماء البحر شبيها بمحاولة إشعال شمعة في وضح النهار. منطق الأشياء – وليس منطق الصفقات – يقول إن الأولى اليوم هو التقاط المياه المتدفقة قبل أن تذهب ضحية التبخر أو الامتصاص البطيء، لا أن نتركها تلوّح لنا ثم نودّعها بحسرة تقليدية.
هنا يفرض الواقع استحضار محطتين كان يفترض أن تشكلا رافعة مائية ومالية حقيقية، لولا أن حظهما كان أن تركنا في خانة “سيأتي دوركما لاحقا”: مشروع تحلية المياه بكل من الجديدة وآسفي، وما رصد لهما من غلاف مالي معتبر كان من الممكن – بل من الواجب – توجيهه بمرونة أكبر، بدل تحويل التحلية إلى عقيدة لا تقبل المراجعة حتى في مواسم المطر.
في هذا السياق نستحضر ضاية أو سد شعنون، تلك المساحة الشاسعة الممتدة على آلاف الهكتارات، التي اعدت أساسا لاحتواء فيضانات واد فليفل، درعا واقيا لمدينة الجديدة من غضب الطبيعة.
ويؤكد خبراء الماء في نفس الصدد أنها هذه السنة، ستستوعب هذه الضاية ملايين الأطنان من المياه. والمفارقة الساخرة أن هذه الكتلة المائية تحاذي – بل تمر من وسطها – قنوات صرف مياه التحلية التابعة للمكتب الشريف للفوسفاط بالجرف الأصفر. مشهد عبثي مكتمل الأركان: مياه عذبة تتوسل الاستغلال، وبنية تحتية جاهزة تمر بجانبها… ثم نترك كل ذلك يضيع في صمت إداري مهيب.
والأمر لا يختلف كثيرا عند رافد سيدي عبد الرحمان بآسفي، حيث تتكرر القصة نفسها: ماء حاضر، وإرادة غائبة، ومشاريع مؤجلة لا لسبب سوى أنها لم تُدرج بعد في خانة “الاستعجال السياسي”.
وجدير بالذكر أنه إذا كان تعطيل المشاريع – لسبب أو لغير سبب – تقليدا راسخا، وتحويل الاعتمادات المالية هواية وطنية لا تخلو من “المرونة”، فلا ضير إذن من اقتراح بسيط:
لماذا لا يتم تأجيل أشغال محطة تحلية مهارزة الساحل، التي فاز بها رئيس الحكومة، إلى أجل غير مسمى – وهو أجل مألوف في قاموس التدبير العمومي – وتوجيه تلك الأموال لبناء سدود جديدة تلتقط ما تجود به السماء، بدل الإصرار على تحلية البحر بينما المطر يطرق الأبواب؟
باختصار: حين تمطر السماء، يصبح العطش خيارا سياسيا… لا قدرا طبيعيا.




