
في ظل تصاعد استخدام العملات الرقمية لأغراض إجرامية، دعا باحثون مغاربة مختصون في التكنولوجيا المالية إلى إصدار عاجل لإطار قانوني ينظم التعامل بالعملات المشفرة، استجابةً للتوصيات الصادمة في التقرير الثامن لرئاسة النيابة العامة لسنة 2024.
الوثيقة، التي كشفت عن 17 قضية مرتبطة بالعملات الرقمية خلال سنة واحدة، سلّطت الضوء على استغلال الجماعات الإرهابية — وفي مقدمتها “داعش” — لعملات مثل USDT ومنصات كـ”بينانس” لجمع التبرعات وتمويل أنشطتها دون أن تثير شكوك أجهزة الرصد. ولفت التقرير إلى أن هذه العمليات لا تقتصر على الإرهاب، بل تمتد إلى جرائم النصب والابتزاز الجنسي، حيث تُستخدم العملات المشفرة كوسيلة لغسل الأموال أو إخفاء الهوية.
ويوضح خبراء أن التحدي الحقيقي لا يكمن في كشف هذه الجرائم، بل في غياب الأدوات القانونية والتقنية لمواجهتها. فرغم أن البلوكشين يسجل كل معاملة بشكل دائم، فإن عملات مثل Monero وZcash، فضلاً عن أدوات “الميكرز” لإخفاء المسارات، تمنح مجرمين رقميين غطاءً شبه كامن.
الأكثر إثارة للقلق هو سهولة تحويل هذه الأصول إلى نقد عبر السوق السوداء، في غياب بنية تحتية مغربية قادرة على حجز أو إدارة الأصول الرقمية — وهو ما يجعل المغرب متأخراً مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة. كما يشير المختصون إلى أن القضاة يفتقرون إلى معايير موحدة للتعامل مع هذه القضايا، ما يعمّق الفجوة بين الواقع الرقمي والتشريع القائم.
ويحذّر الخبراء من أن الرقم المعلن (17 قضية) لا يعكس حجم الظاهرة، إذ غالباً ما تُكتشف هذه الجرائم عرضاً خلال تحقيقات في جرائم أخرى. ومع استضافة المغرب لأحداث كبرى مثل كأس إفريقيا وكأس العالم 2030، يُتوقع تزايد محاولات استغلال الفضاء الرقمي في جرائم متطورة.
في هذا السياق، بات من الضروري الانتقال من منطق “المنع المطلق” إلى “الضبط الذكي”، عبر قانون مرن يُعدّه خبراء تقنيون وقانونيون معاً، يراعي سرعة تطور التكنولوجيا، ويُعزّز التعاون الدولي، ويُزوّد القضاء بالأدوات اللازمة. فالمخاطر لم تعد افتراضية، بل واقعٌ يدق أبواب الاقتصاد الرقمي المغربي.




