
يمثل التطور المعلن عنه من نيويورك بين المغرب وبوليفيا محطة جديدة في مسار العلاقات الثنائية، بعدما جمع الإعلان بين أبعاد سياسية واقتصادية ومؤسساتية، في سياق تسعى فيه الرباط إلى توسيع شراكاتها مع دول أمريكا اللاتينية وتعزيز حضورها الاقتصادي في القارة الإفريقية.
وأعلنت بوليفيا استعدادها لفتح تمثيلية دبلوماسية في الرباط، إلى جانب مكتب تجاري بمدينة الداخلة، بما من شأنه أن يجعل المدينة نقطة اتصال محتملة بين الشركات والمنتجات البوليفية والأسواق الإفريقية.
وتكتسي الإشارة الواردة في البيان المشترك إلى مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 أهمية خاصة، إذ اعتبرت بوليفيا أن المقترح يمكن أن يشكل مساراً من شأنه الدفع بالمفاوضات نحو التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف.
ويأتي هذا الموقف في سياق أممي شهد تطورات بشأن ملف الصحراء، من بينها قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، والذي تناول مقترح الحكم الذاتي المغربي في إطار المسار التفاوضي الرامي إلى التوصل إلى حل سياسي للنزاع.
غير أن أبرز ما يميز التطور الجديد هو الجمع بين الموقف السياسي والخطوة الاقتصادية ذات البعد الجغرافي. فاختيار مدينة الداخلة لاحتضان مكتب تجاري لا يرتبط فقط بتطوير المبادلات بين الرباط ولاباز، وإنما يندرج، وفق صياغة البيان المشترك، ضمن توجه يروم جعل المكتب منصة لولوج المنتجات البوليفية إلى الأسواق الإفريقية.
ومن شأن هذه الخطوة، في حال ترجمت إلى إجراءات عملية، أن تمنح العلاقات المغربية البوليفية بعداً اقتصادياً أكثر وضوحاً، من خلال الانتقال من الحوار السياسي إلى استكشاف فرص التعاون التجاري والاستثماري وفتح قنوات جديدة أمام الفاعلين الاقتصاديين في البلدين.
كما يعكس اختيار الداخلة اهتماماً متزايداً بالدور الذي يمكن أن تضطلع به المدينة في المبادلات المرتبطة بالفضاء الإفريقي، بالنظر إلى موقعها الأطلسي وما توفره من إمكانات للربط بين المبادلات التجارية والاقتصاد الإفريقي.
وفي المقابل، تظل الخطوتان المتعلقتان بفتح التمثيلية الدبلوماسية في الرباط والمكتب التجاري في الداخلة في مرحلة الإعلان والاستعداد، إذ لم يعلن البيان عن افتتاحهما فعلياً، ما يجعل تنفيذ هذه الإجراءات مرتبطاً بالخطوات العملية التي ستتخذها حكومتا البلدين خلال المرحلة المقبلة.
وعلى المستوى المؤسساتي، اتفق المغرب وبوليفيا على إطلاق مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية تقوم على الحوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مع التأكيد على تعزيز الحوار السياسي رفيع المستوى وإرساء إطار مؤسساتي أكثر انتظاماً.
وفي هذا الإطار، اتفق الطرفان على عقد الدورة الأولى لآلية المشاورات السياسية الثنائية، التي أنشئت سنة 1999، بهدف توفير إطار دائم للحوار والتنسيق بين البلدين.
كما شهد اللقاء توقيع اتفاق يتعلق بالإعفاء من التأشيرة لفائدة حاملي جوازات السفر الدبلوماسية والرسمية والخدمة والخاصة، إلى جانب مذكرة تفاهم بين الأكاديميتين الدبلوماسيتين في البلدين.
وتأتي هذه الإجراءات لتمنح العلاقات المغربية البوليفية بعداً عملياً يتجاوز البيانات السياسية، من خلال تطوير آليات الحوار والتعاون وتسهيل حركة المسؤولين والدبلوماسيين وتعزيز التواصل المؤسساتي.
ويأتي هذا التطور في سياق أوسع من الحركية التي تشهدها علاقات المغرب مع دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، حيث يبرز توجه نحو الجمع بين التعاون السياسي والانفتاح الاقتصادي والمؤسساتي.
وفي السياق ذاته، شهدت نيويورك خلال الأسبوع نفسه تطوراً في العلاقات المغربية التشيلية، تمثل في التقدم نحو مفاوضات بشأن اتفاق للتجارة الحرة، بالتزامن مع مواقف سياسية داعمة للمغرب، بما يعكس تنامي الاهتمام بتطوير العلاقات بين الرباط وعدد من دول المنطقة.
وبذلك، تحمل الخطوة البوليفية ثلاثة أبعاد مترابطة: تعزيز العلاقات المغربية مع أمريكا اللاتينية، وإضفاء بعد اقتصادي ومؤسساتي على التعاون مع بوليفيا، وإدماج مدينة الداخلة ضمن مسار الانفتاح التجاري على الأسواق الإفريقية.
وتبقى أهمية هذا التطور مرتبطة، في المرحلة المقبلة، بمدى انتقال الإعلانات السياسية إلى خطوات عملية، خصوصاً ما يتعلق بفتح التمثيلية الدبلوماسية في الرباط والمكتب التجاري في الداخلة، وتحويل الاتفاقات الموقعة إلى آليات تعاون ومبادلات ملموسة بين البلدين.




