
بعد أكثر من 100 يوم من الإضراب الوطني الذي خاضه المحامون، دخل القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة حيز التنفيذ، عقب نشره في الجريدة الرسمية، ليحل محل القانون رقم 28.08، حاملاً معه مجموعة واسعة من المستجدات التي تعيد تنظيم المهنة، بدءاً من شروط الولوج والتكوين والتدريب، مروراً بتدبير هيئات المحامين، وصولاً إلى مراقبة أموال الموكلين والمساطر التأديبية.
كرّس القانون الجديد تغييرات مهمة في شروط الولوج إلى مهنة المحاماة، إذ لم تعد شهادة الإجازة في القانون كافية للترشح، حيث أصبح يتعين على الراغبين في الالتحاق بالمهنة التوفر على شهادة الماستر أو الماستر المتخصص أو شهادة معادلة في العلوم القانونية، مع قبول الشهادات المعادلة في العلوم الشرعية.
كما حدد القانون سن المترشحين لاجتياز مباراة الولوج إلى معهد تكوين المحامين بين 21 و45 سنة. وسيخضع الناجحون لسنة كاملة من التكوين داخل المعهد، قبل الانتقال إلى مرحلة التدريب المهني التي تمتد على مدى 24 شهراً.
وخلال فترة التدريب، سيقضي المحامي المتدرب 20 شهراً داخل مكتب للمحاماة، فيما تخصص الأشهر الأربعة المتبقية للتدريب داخل إدارة عمومية أو مؤسسة عمومية أو شركة مملوكة للدولة.
وفي إطار رفع مستوى الكفاءة المهنية، أقر القانون التكوين المستمر بشكل إلزامي، حيث يتعين على المحامين المؤهلين للترافع أمام محكمة النقض الاستفادة من 20 ساعة على الأقل من التكوين سنوياً، ما لم يشملهم أحد الاستثناءات المنصوص عليها قانوناً.
ومن أبرز المستجدات التي جاء بها القانون الجديد تشديد الضوابط المتعلقة بالأموال التي يتلقاها المحامون لحساب موكليهم. فلم يعد مسموحاً بأداء الأتعاب التي تتجاوز 10 آلاف درهم نقداً، إذ يتعين تسديدها بواسطة شيك أو وسيلة أداء إلكترونية. كما أصبح المحامي ملزماً بتسليم موكله وصلاً مؤرخاً وموقعاً ومرقماً عن كل مبلغ مالي أو ممتلكات يتلقاها في إطار ممارسة مهامه.
ويلزم القانون المحامين كذلك بمسك سجلات مالية دقيقة تتضمن المبالغ المتوصل بها والمصاريف وباقي العمليات المالية، فضلاً عن فتح حساب منفصل لكل موكل. وفي السياق ذاته، يتعين على هيئات المحامين مراقبة مكاتب المحاماة مرة واحدة على الأقل سنوياً، للتحقق من سلامة الحسابات ومدى احترام القواعد المتعلقة بتدبير أموال الموكلين.
ومن بين المقتضيات الجديدة اللافتة إحداث كل هيئة للمحامين حساباً خاصاً للإيداع والأداء، تمر عبره الأموال التي يحتفظ بها المحامون لفائدة موكليهم. كما ستخضع الأموال المحكوم بها لفائدة الموكلين للنظام نفسه، بما يسمح بتتبع عمليات الإيداع والسحب والتحويل والأداء، إلى جانب مراقبة الأرصدة والفوائد والرسوم المرتبطة بها.
وستتولى محاكم التدقيق المالي التابعة للمجلس الأعلى للحسابات مراقبة هذه الحسابات، بما يعزز آليات التتبع والتدقيق في كيفية تدبير الأموال التي تمر عبر مكاتب المحاماة.
وشملت الإصلاحات أيضاً طريقة تدبير هيئات المحامين وانتخاب مسؤوليها. فقد حدد القانون مدة ولاية النقيب في ثلاث سنوات، مع عدم إمكانية إعادة انتخابه، كما يمنع من سبق له تولي المنصب من الترشح له مرة أخرى.
ويشترط في المترشح لمنصب النقيب التوفر على أقدمية مهنية لا تقل عن 20 سنة، إضافة إلى قضاء ولاية واحدة على الأقل عضواً في مجلس الهيئة. أما أعضاء مجالس الهيئات، فقد حددت مدة ولايتهم في ثلاث سنوات، مع السماح بإعادة انتخابهم مرة واحدة فقط، قبل أن يصبح الترشح مجدداً غير ممكن بعد استنفاد ولايتين.
واعتمد القانون كذلك نظاماً لتمثيل المحامين داخل مجالس الهيئات بحسب أقدميتهم المهنية، بحيث خصص 40 في المائة من المقاعد للمحامين الذين تتجاوز أقدميتهم 20 سنة، و50 في المائة لمن تتراوح أقدميتهم بين 10 و20 سنة، و10 في المائة لمن تتراوح أقدميتهم بين خمس و10 سنوات.
ولأول مرة، وضع القانون قواعد واضحة لضمان حد أدنى من التمثيلية النسائية والرجالية داخل مجالس الهيئات، بحيث لا تقل نسبة تمثيل أي من الجنسين عن الثلث. وقد يؤدي عدم احترام هذه القاعدة إلى إلغاء نتائج الانتخابات.
كما يتيح القانون للنساء الترشح للمقاعد العادية أو المقاعد المخصصة لهن، مع منح الأولوية للمترشحة في حال تساوي الأصوات بينها وبين مترشح، وهي القاعدة التي تسري أيضاً على انتخاب النقيب.
ومن أبرز التحولات التي حملها القانون الجديد توسيع دور النيابة العامة في المساطر التأديبية. فالنقيب ملزم بإحالة الشكايات الموجهة ضد المحامين إلى الوكيل العام للملك المختص داخل أجل أقصاه 10 أيام.
كما يحق للوكيل العام للملك الطعن في بعض قرارات حفظ الملفات، إلى جانب إمكانية استئناف عدد من القرارات الصادرة في القضايا التأديبية.
وتتدرج العقوبات التأديبية من الإنذار والتوبيخ إلى التوقيف عن ممارسة المهنة لمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات، وصولاً إلى التشطيب النهائي من الهيئة. ويواجه المحامي الذي يستمر في ممارسة المهنة رغم توقيفه أو التشطيب عليه إمكانية اعتباره منتحلاً لصفة محامٍ.
وفي المقابل، حافظ القانون على حماية السر المهني وسرية الاتصالات بين المحامي وموكله، مع وضع قواعد خاصة لعمليات التفتيش والتحقيق المرتبطة بالجرائم المهنية.
كما يتعين إخبار النقيب فوراً في حال توقيف محامٍ أو وضعه رهن الحراسة النظرية، فيما تعتبر باطلة الإجراءات التي تنتهك سرية الاتصالات بين المحامي وموكله.
ويمنح القانون المحامين أيضاً حماية من المسؤولية عن التصريحات التي يدلون بها أثناء المحاكمات أو ضمن مذكراتهم ودفوعاتهم الكتابية، متى كانت ضرورية لممارسة حق الدفاع، غير أن هذه الحماية لا تشمل جرائم السب والقذف والتشهير.
ويتضمن القانون الجديد كذلك مقتضيات تتيح لمكاتب المحاماة الأجنبية دخول السوق المغربية في حالات محددة. فبإمكان وزير العدل، بصفة استثنائية، الترخيص لمكتب أجنبي تابع لدولة لا تربطها بالمغرب اتفاقية قانونية بالمشاركة في مشروع استثماري أو عقد محدد لفائدة شركة أجنبية.
ويظل هذا الترخيص محصوراً في المشروع أو العقد المعني، مع إلزام المكتب الأجنبي بالتسجيل لدى هيئة المحامين المختصة واتخاذ عنوان داخل مكتب محامٍ مغربي.
كما يسمح القانون للمحامين المغاربة الذين يمارسون المهنة في الخارج بفتح مكتب إضافي داخل المغرب، مع الاستمرار في مزاولة نشاطهم المهني بالخارج.
وفي ما يتعلق بالتواصل المهني، يمنع القانون المحامين من الإشهار لخدماتهم أو السعي بشكل مباشر إلى استقطاب الزبناء. غير أنه يسمح لهم بإنشاء مواقع إلكترونية بعد الحصول على موافقة النقيب، على أن تقتصر مضامينها على المعلومات المهنية، مثل التكوين والشهادات والخبرة ومجالات الاهتمام القانوني والأعمال والمنشورات.
ودخل القانون رقم 66.23 حيز التنفيذ بمجرد نشره في الجريدة الرسمية، مع الإشارة إلى أن بعض مقتضياته تحتاج إلى نصوص تنظيمية إضافية حتى تصبح قابلة للتطبيق.
وستواصل مجالس هيئات المحامين الحالية مهامها إلى حين انتخاب مجالس جديدة، على أن تجرى الانتخابات الجديدة خلال شهر دجنبر الموالي لدخول القانون حيز التنفيذ.
وبذلك، تفتح المقتضيات الجديدة مرحلة مختلفة في تنظيم مهنة المحاماة بالمغرب، من خلال تشديد شروط الولوج والتكوين، وإعادة تنظيم تدبير الهيئات، وتعزيز الرقابة على أموال الموكلين، وتوسيع دور النيابة العامة في المساطر التأديبية، مقابل الحفاظ على ضمانات أساسية مرتبطة باستقلالية المهنة والسر المهني وحقوق الدفاع.




