
ج.ع
تعد ظاهرة التسول عند الإشارات الضوئية في الحواضر المغربية الكبرى، كالدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة، واحدة من أعقد الظواهر السوسيولوجية التي تتداخل فيها الحاجة الإنسانية بالاستغلال المنظم، لتشكل اقتصادا خفيا ينمو بعيدا عن أعين الرقابة الضريبية والقانونية.
إن المشهد المتكرر مع كل ضوء أحمر، حيث تهرع أجساد نحيلة أو نساء يحملن رضعا نحو نوافذ السيارات، لم يعد مجرد استجابة لفاقة عابرة، بل تحول إلى “منظومة عمل” متكاملة الأركان تعتمد على “سيكولوجية الشفقة” لتحقيق عوائد مالية تثير الذهول عند تحليلها بلغة الأرقام والمعطيات الميدانية.
تشير تقديرات غير رسمية مستقاة من شهادات باحثين في علم الاجتماع وتقارير جمعوية، إلى أن المواقع الاستراتيجية في المدارات الطرقية الكبرى بمدينة الدار البيضاء مثلا، تعتبر “أصولا تجارية” غير معلنة، حيث يمكن للمتسول المحترف الذي يتقن “فنون العرض” أن يحقق دخلا يوميا صافيا يتراوح بين 300 و800 درهم مغربي.
وإذا ما أسقطنا هذه الأرقام على شهر كامل، نجد أن “أجرة” المتسول قد تتجاوز 15,000 درهم، وهو رقم يفوق بكثير راتب موظف في السلم العاشر أو الحادي عشر في الوظيفة العمومية، ويضاعف الحد الأدنى للأجور مرات عديدة، مما يفسر استعصاء الظاهرة على الحلول التقليدية، إذ يصبح الإدماج المهني في وظيفة براتب 3000 درهم عرضا “غير مغر” من الناحية الاقتصادية لهؤلاء المحترفين.
تنتقل الظاهرة من العوز إلى الجريمة المنظمة عندما ننبش في ملف “استغلال الأطفال والرضع”. فالمعطيات تؤكد وجود شبكات متخصصة تقوم بـ”تأجير” الرضع لنساء يمتهن التسول مقابل مبالغ يومية ثابتة، حيث يتم تخدير هؤلاء الأطفال أحيانا بمواد مهدئة ليبقوا في حالة نوم مستمر طوال ساعات النهار تحت أشعة الشمس وعوادم السيارات، لاستثارة عطف السائقين.
إن هذا الاستغلال البشع يحول الطفل من كائن بشري له حقوق أصيلة في التعليم والصحة إلى “أداة عمل” تدر السيولة النقدية، مما يخلق جيلا جديدا ينمو خارج أسوار المدرسة، مشبعا بثقافة الاتكال، ليعيد إنتاج دورة الفقر والجهل في المستقبل.
من الناحية النقدية، يظهر “التسول بالتمثيل” كأحد أوجه التضليل الاجتماعي الأكثر إضرارا بالثقة العامة. يوثق مواطنون وباحثون حالات لأشخاص يستخدمون كراسي متحركة أو يلفون أطرافهم بضمادات توحي بإعاقات جسدية بليغة، ليتضح لاحقا، عند انتهاء “نوبة العمل”، أنهم يتحركون بكامل لياقتهم البدنية. هذا النوع من “الاستثمار في العاهة” يسيء بشكل مباشر لذوي الاحتياجات الخاصة الحقيقيين الذين يعانون في صمت، حيث يساهم في نشر حالة من التشكيك الجماعي لدى المواطن، الذي يصبح عاجزا عن التمييز بين صاحب الحاجة الحقيقية وبين النصاب المحترف، مما يجفف منابع الإحسان تجاه الفئات الهشة فعليا.
تكتسي الظاهرة أبعادا مقلقة عند تحليل علاقتها بالاقتصاد غير المهيكل، فالمبالغ الضخمة التي يتم جمعها عند الإشارات الضوئية تظل خارج الدورة الاقتصادية الرسمية، ولا تخضع لأي نوع من إعادة التوزيع عبر الضرائب، بل تذهب غالبا للاستهلاك المباشر أو تكتنز في قنوات غير رسمية، وأحيانا توظف في أنشطة مشبوهة. إن الدولة المغربية، رغم جهود وزارة التضامن والتعاون الوطني، لا تزال تفتقر إلى قاعدة بيانات رقمية دقيقة ترسم مسار هذه الأموال أو تحدد هوية المتسولين بشكل يفرق بين “المحتاج العرضي” وبين “المحترف الجنائي”، مما يجعل التدخلات الأمنية والاجتماعية محدودة الأثر وتتسم بالموسمية.
على مستوى الوعي المجتمعي، يلعب المواطن دور “الممول” غير الواعي لاستمرار هذه المأساة. إن العفوية التي يمنح بها المغاربة صدقاتهم عند إشارات المرور، نابعة من قيم دينية وإنسانية متجذرة، لكنها في الواقع العملي تساهم في تثبيت المتسول في مكانه ومنعه من التفكير في أي بديل تنموي. إن الصدقة عند “الضوء الأحمر” هي في الحقيقة دعم مادي لنموذج “الكرامة المهدرة”، وتشجيع غير مباشر لشبكات الاستغلال لتوسيع نشاطها واستهداف المزيد من الأطفال والنساء، مما يحول الشارع إلى “سوق مفتوحة” للبؤس المصطنع.
للإشارة، فالتسول عند الإشارات الضوئية مرآة تعكس تقاطعات الفشل في منظومات الحماية الاجتماعية والتعليمية، مع تنامي اقتصاد الظل الذي يقتات على العاطفة.
التحدي الحقيقي اليوم ليس في مطاردة المتسولين في الشوارع، بل في تجفيف منابع الجذب المادي لهذه المهنة عبر توعية المواطن، وتفعيل قوانين زجرية صارمة ضد مستغلي الأطفال، وتوفير بدائل كرامة حقيقية للمحتاجين الفعليين. إن “الضوء الأحمر” يجب أن يكون إشارة للتوقف والتفكير في مصير مجتمع يرى في بؤس أطفاله وسيلة للثراء السهل.




