
القسم الاجتماعي
تحولت ردهات المحاكم المغربية، اليوم الخميس، إلى “فراغ قاتل”، زاد من برودة الأجواء، بعدما قرر أصحاب البذل السوداء خلعها ومقاطعة منصات القضاء.
لا يتعلق هذا الشكل الاحتجاجي الواسع بمجرد وقفة احتجاجية عابرة، بل “شلل عام مهني” عطل مفاصل الجلسات، ردا على ما وصفه المحامون بـ”الهرولة الحكومية” نحو تمرير قانون مهنة المحاماة على مائدة المجلس الحكومي دون ضوء أخضر من أهل الدار.
في جولة ميدانية لـ “زيرو ما” بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء (أكبر قلاع القضاء في المملكة)، رصدنا مشهدا سرياليا… القضاة على المنصات، المتهمون في الأقفاص، لكن “كراسي الدفاع” فارغة تماما، غياب المحامين لم يكن جسديا فقط، بل كان قرارا سياسيا ومهنيا أدى فورا إلى تأجيل الملفات بالجملة، خاصة في “غرف الجنايات” حيث يعد حضور المحامي شرطا جوهريا لصحة المحاكمة.
وللإشارة فقد سجل حضور أعضاء من مجلس هيئة الدار البيضاء بزيهم العادي، يراقبون عن كثب مدى “انضباط” الزملاء للقرار الصادر عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب، في صورة تعكس تلاحم الجسم المهني أمام ما يعتبرونه “تهديدا وجوديا”.
وجدير بالذكر أن هذه الخطوة لم تأت من فراغ، بل هي جزء من برنامج تصعيدي سطرته جمعية الهيئات، يتضمن عدة أشكال احتجاجية كالتوقف الشامل عن أداء الخدمات المهنية يومي الخميس والجمعة (8 و9 يناير 2026) مع تعطيل المهام، وتوقف النقباء الممارسين عن أداء مهامهم الرسمية خلال الفترة نفسها. وسطرت أيضا المقاطعة الشاملة لكل الإجراءات والمساطر المرتبطة بالملفات المعروضة أمام القضاء.
وجدير بالذكر أن الجمعية تتهم الحكومة، وبشكل مباشر وزارة العدل، بـ “الالتفاف على التوافقات”. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه المحامون صيغة تشاركية تضمن استقلاليتهم، تفاجؤوا بإدراج مشروع القانون في جدول أعمال المجلس الحكومي المنعقد اليوم الخميس.
وفي هذا السياق صرح للإعلام الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب “نحن أمام مشروع يضعف استقلالية الدفاع ويهدد المكتسبات التاريخية للمهنة. لا يمكن القبول بتشريع لا يحترم المعايير الدولية ولا يليق بسمعة المغرب الحقوقية”. وأضاف بحسم: “الدفاع الحر هو حق للمواطن أولاً، وأي إضعاف للمحامي هو بالضرورة إضعاف للعدالة ولحقوق المتقاضين”.
المعركة اليوم ليست مجرد خلاف حول بنود قانونية، بل هي صراع إرادات بين حكومة تريد “رقمنة وتقنين” المهنة وفق رؤيتها الخاصة، وبين “نقابة عتيدة” ترى في هذه الخطوات محاولة لتدجين مهنة يلقبها أهلها بـ “القضاء الواقف”.
تأجيل الجلسات اليوم هو رسالة مشفرة من المحامين مفادها: “لا عدالة بدوننا”. ومع استمرار التوقف غدا الجمعة، يترقب الجميع مخرجات المجلس الحكومي، فهل ستسحب الحكومة فتيل الانفجار بتجميد المشروع، أم أن المحاكم المغربية مقبلة على “شتاء ساخن” من الإضرابات المفتوحة؟




