
تطوان
بين جدران مكتبه الصامت بمقاطعة “بوسافو” في تطوان، حيث كان من المفترض أن يمارس واجبه في حفظ النظام، اختار عنصر من القوات المساعدة أن يكتب الفصل الأخير من حياته بعيداً عن ضجيج العالم.
لم تكن مجرد حادثة انتحار عادية، بل كانت لحظة انكسار إنساني مدوية هزت سكون “الحمامة البيضاء” في زوال خريف كئيب.
الرجل الذي اعتاد لسنوات على قسوة الطبيعة ويقظة الحواس في ثغور “بليونش” كحرس للحدود، وجد نفسه مؤخرا في سياق إداري جديد بتطوان، لكن يبدو أن الحدود التي كان يحرسها لم تكن وحدها المنيعة، بل كانت هناك حدود داخلية من الألم النفسي والضغوط الأسرية التي لم يستطع تجاوزها.
فبين ملفات الطلاق المفتوحة في المحاكم، وبين صرامة البدلة العسكرية التي تخفي وراءها قلبا مثقلا بالهموم، تلاشت الرغبة في الاستمرار.
داخل ردهات المقاطعة، كان الوجوم سيد الموقف. زملاؤه الذين اعتادوا تحيته الصباحية وجدوا أنفسهم وجها.لوجه أمام جثمان هامدة، في مشهد حزين حول فضاء إداريا آمنا إلى مسرح لمأساة وجودية. الصدمة لم تكن في الفعل ذاته فحسب، بل في تلك الصرخة الصامتة التي أطلقها الراحل داخل مكتبه، مخلفا.وراءه تساؤلات حارقة حول هشاشة الروح الإنسانية خلف تلك الهيئات الحازمة.
مع وصول سيارات الإسعاف واحتشاد عناصر الأمن، تحول المكان إلى خلية نحل من التحقيقات تحت إشراف النيابة العامة، بينما كانت الأعين تلاحق جثمانه وهي تُنقل إلى مستودع الأموات. رحل “عنصر القوات المساعدة” تاركاً وراءه مكاتب ستظل تهمس بقصته طويلاً، ودرساً بليغاً في أن خلف كل بدلة رسمية إنسان قد تكسره عواصف الحياة التي لا نراها.




