
كانت أحلام الشاب الثلاثيني، الذي غادر جبال أزرو الشامخة طامحا في رزق حلال، أوسع من أن تحصر في حقيبة تجارة متنقلة، لكن القدر قرر أن يضع حدا لتلك الطموحات في عمق غابة المعمورة الموحشة، حيث تحول البحث عن “لقمة” العيش إلى فاجعة هزت كيان أسرته ومعارفه.
بعد أيام عصيبة من الانتظار القاتل وهواتف لا تجيب إلا بالصمت، قطعت مصالح الأمن الشك باليقين حين عثرت على جثته الهامدة في مكان معزول، لتنتهي رحلة البحث عن المفقود بلقاء بارد في مستودع الأموات، تاركة خلفها سيلا من التساؤلات المؤلمة حول ما جرى في تلك اللحظات الأخيرة التي سبقت رحيله الغامض.
الضحية، الذي لم يتجاوز ربيعه الخامس والعشرين، كان يجسد صورة الشاب المغربي المكافح، يتنقل بين المدن والأسواق باحثا عن سلع يعيد بيعها ليوفر لقمة عيش كريمة، ولم يكن يعلم أن خروجه الأخير من منزل أسرته وهو يحمل مبلغا ماليا لتجارته سيكون بمثابة الوداع الأخير.
إذ انقطعت أخباره فجأة في ظروف مريبة، مما دفع عائلته لإطلاق نداءات استغاثة عبر كل الوسائل الممكنة، قبل أن يأتيهم الخبر اليقين قبيل مغرب أمس، حين أشعرتهم الجهات المختصة بالعثور على جثة بمنطقة غابوية تابعة للمعمورة، لتبدأ فصول مأساة إنسانية تعيد إلى الواجهة مخاطر التنقل الفردي بمبالغ مالية في مناطق غير مأهولة.
وفي الوقت الذي خيم فيه الحزن والأسى على مدينة أزرو، باشرت المصالح الأمنية تحقيقاتها المكثفة تحت إشراف النيابة العامة المختصة، حيث جرى نقل الجثمان لإخضاعه للتشريح الطبي الدقيق الذي سيفك شفرات هذه الوفاة، وما إذا كانت ناتجة عن اعتداء إجرامي بدافع السرقة أم أن للقدر أسبابا أخرى، فبين تجاعيد الغابة وأسرارها الدفينة، ينتظر الجميع ما ستسفر عنه التحريات الجارية، لعلها تبرد نار قلب أم مكلومة فقدت سندها في رحلة بحث عن حياة أفضل، وتكشف الحقيقة الكاملة وراء هذه النهاية التراجيدية لشاب كان كل ذنبه أنه سعى وراء رزقه بجد وعصامية.




