الرئيسيةسياسةكتاب الرأي

حكم قضائي تحت ضوء”CV”: هل نسي بعض المسؤولين أن الملكية تاج على رؤوس كل المغاربة؟

لم أصدق أن هذا ممكن أن يحدث في المغرب. لم أصدق أنني سأقرأ حكمًا قضائيا يبدو فيه أن المكانة الاعتبارية لطرف ما صارت معيارا، أو على الأقل حاضرة في صوغ منطوق الحكم.

المغرب الذي نعرفه، المغرب الذي كرس الملك محمد السادس فيه رؤية ملكية مواطنة ديمقراطية لبناء دولة الحق والقانون، ونزل الديمقراطية وفصل السلطات…

غريب أن يصل به الحال إلى هذه اللحظة يطرح أسئلة جوهرية عن العلاقة بين القانون والعدالة، بين النص وما يمارس في الواقع.

حين أتابع هذه الأحكام، أشعر بأن شيئا ما ينهار في الثقة. ليست القضية في هوية الأطراف، ولا في صفاتهم أو أسمائهم، بل في المبدأ نفسه.

القانون في جوهره لا يعرف المكانة، لا يرفع سقفا لفئة ويخفضه لأخرى. العدالة الحقيقية ليست منحازة لأحد، ولا تخضع لمقاييس اجتماعية أو مالية أو فكرية. هي تطبيق صارم للنصوص، حماية للحقوق، وضمانة للحق والعدالة في المجتمع.

الأمر الذي يثير الدهشة والقلق ليس الحكم نفسه، بل طريقة تبريره. حين يستحضر ما يسمى “المكانة الاعتبارية” للطرف الآخر، يتسلل شعور بأن الاجتهاد القضائي قد ابتعد عن النص، وأن الثقة في المؤسسات بدأت تتصدع. سؤال يفرض نفسه بقوة: هل نحن أمام اجتهاد قانوني مشروع أم أمام تقدير شخصي يخل بالحياد المطلوب؟ هل يمكن أن تتحول السير الذاتية والمكانة الاجتماعية إلى معيار للحكم، بينما القانون واضح وصريح؟

المغرب الذي عرفناه، والمغرب الذي صُنع على دماء النضال، هو بلد أسس العدالة كمبدأ، وليس كمجرد شعارات. الملك محمد السادس كرّس هذا المبدأ، مؤكدا أن الملكية “تاج على رؤوس جميع المغاربة”، لا يستأثر به أحد على حساب آخر. هذه الرؤية هي المرجعية، وهي الضمانة التي تحمي الحقوق، وتعيد الثقة في المؤسسات، وتجعل القانون سلاحًا للحق، لا أداة للمجاملات أو الاعتبارات الشخصية.

إذا نظرنا إلى التجارب المقارنة في دول تعد نماذج للعدالة والقانون، نجد أن أي اجتهاد قضائي يخرج عن النص يُنظر إليه على أنه تجاوز، وقد يُعاد النظر فيه أو يُلغى. في هذه الدول، القانون هو المرجعية العليا، والمحاكم تحكم وفق نصوص واضحة، مع مراعاة الحقائق والظروف الموضوعية، بعيدًا عن المكانة الاجتماعية أو الخلفية الشخصية. فالعدالة ليست رفاهية، بل ضمانة للمجتمع بأسره.

في هذا السياق، أي حكم يستحضر المكانة بدل النصوص يهدد بثقة المواطن في الدولة. الثقة في المؤسسات القضائية هي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع، والحصن الذي يجعل القوانين حية، والحقوق واقعية. عندما يزول هذا الرابط، تصبح النصوص مجرد كلمات على الورق، والعدالة حلمًا بعيد المنال.

لكن بالرغم من هذه المخاوف، هناك دائما الضوء الذي يذكرنا بأن الطريق نحو دولة القانون مستمر. الملكية في المغرب، كما أَكد الملك مرارًا، ليست مجرد سلطة، بل مرجعية للحق والعدالة والمساواة، وهي تذكر الجميع بأن القانون تاج على رؤوس المغاربة جميعًا. هذه الرؤية تضع معيارًا لما يجب أن تكون عليه العدالة: حيادية، نزاهة، احترام النصوص، وحماية الحقوق بلا استثناء.

العدالة ليست مجرد نصوص صامتة، بل روح تتجسد في الممارسات اليومية، في اجتهادات القضاة، وفي احترام المبادئ. أي اجتهاد يبتعد عن النصوص ويستحضر المكانة أو الاعتبارات الاجتماعية، حتى لو كان مدعومًا بنوايا حسنة، يهدد بتقويض الثقة، ويخلق شعور الغبن لدى المواطنين. هذا الشعور ليس هينًا؛ فهو يغرس الشكوك في مؤسسات الدولة، ويجعل القانون يبدو وكأنه أداة للتمييز، لا حماية للحقوق.

القانون في المغرب يجب أن يكون فوق الجميع، لا فوق المكانة.

العدالة ليست رفاهية، ولا أداة للتقدير الشخصي، بل روح الحياة نفسها في المجتمع، الضمانة التي تجعل الحقوق حقيقية، وتؤكد أن الدولة موجودة لحماية المواطنين، وليس لتسوية الحسابات الاجتماعية أو استعراض المكانة.

في النهاية، ما أؤمن به هو أن القانون والعدالة هما الركيزتان الأساسيتان للمجتمع، وأن أي انحراف عن النصوص أو استعمال اعتبارات خارجية يهدد هذه الركائز.الرؤية الملكية هي المرجعية العليا، والتزام المؤسسات بالقانون هو ما يجعل العدالة حقيقة، والحقوق محفوظة. الطريق نحو دولة الحق والقانون مستمر، وثقة المواطن هي الحصن الأخير الذي يجب أن نصونه جميعًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى