
أجرت الحوار : الناقدة السورية تيماء نصر سعيد

ليس لدى الروائي المغربي خالد أخازي خطٌّ أحمر، فهو لا يُشبه سوى نفسه، وهو المُجرّب الذي يقلب الطاولة على رأس القياس فيصبح نصّه القياس والقاعدة. يكبو لغاية ويصهل لغاية، ولا وجود مجّاني لجملٍ في نصّه، لا يتآمر مع الرتابة لإنتاج كلمات تحشو السطور، بل ثقافة الحذف واضحة في نصّه.
قيل عنه إنه يكتب بلدغة العقرب، وأنه لا يُهادن في الكتابة، وأنه يسلك أكثر الطرق وعورة في النص، وصدق من قال ذلك.
سألتُ عنهُ أحد الروائيين فقال: خالد أخازي متفرّد حتى بجنونه، لا يُراعي ولا يُهادن ولا يُصالح، يُحارب بشرف ويتقدّم ويسقط، ولكن حتى سقوطه في النص سقوط مقاتل.
وقال أحد أصدقائه السوريين: لو أن خالد أخازي لم يكن روائيًا لكان يصلح لتدريب الساموراي، فالرجل رشيق في النص ومقاتل وشرس وانتحاري. رواياته وشخوصه محسومة، قضاياه كبيرة، وتكتيكه الروائي مخاتل. يُعرج بك من الرباط إلى فرنسا بكلمة، ويعود بك إلى الشام بحرف جر.
هنا حوار خاص بالرواية نت مع الروائي المغربي خالد أخازي.
الرواية والتاريخ
سؤال: تناولت في كتاباتك الحدث التاريخي، ففي رواية أسرار أمونة سلطت الضوء على الاحتلال الفرنسي الذي لجأ إلى الأسطورة في ترسيخ الجهل وصناعة الوهم في المغرب. هل أعدت إنتاج التاريخ فنيًا أم قدمته من وجهة نظرك الخاصة؟ وهل يعتمد الروائي على الموروث الشعبي أم على كتب التأريخ؟ إلى أي حد يغلب الإبداع على المعلومة؟ وهل يمكن للرواية أن تتحول إلى مرجع؟ وما الصعوبات التي تواجهها؟
جواب: علاقة الرواية بالتاريخ علاقة مُلتبسة، أو هكذا أرادوها أن تكون. هناك تهريب لأدبية السرد من الخطاب السردي المؤسس للجمالية الروائية نحو التيمات أو المحتوى التراثي. هذا التهريب ليس بريئًا، بل الانتصار له والترويج له على أنه طفرة سردية جمالية يفتك ضمنيًا بنظرية السرد، ويحوّل دفة الكتابة السردية نحو الموازي والمتعالي والمخملي والمثير والعجيب والغريب والجواني.
هذا أربك الفهم النوعي الأدبي وخلق هجرة جماعية نحو التاريخ سرديًا، لأنه أكثر أمانًا وأقل تكلفة من مواجهة الحاضر السياسي والمجتمعي المخيف.
إذن، الرواية التاريخية: التباس منهجي اصطلاحي مقصود، وصناعة ميتالغوية منحرفة للاغتيال المعنوي للرواية بوصفها رؤية للكون والمجتمع، لا بوصفها حكاية للتماهي الرومانسي أو الإمتاع.الرواية أولًا وقبل كل شيء هي حكاية (histoire/fiction)، والحكاية مجرد ذريعة للسرد. قوة السرد ليست في الحكاية، بل في الخطاب السردي، أي “تخطيب الحكاية”. زمن الحكاية خطي، لكن زمن الخطاب السردي أناكرونيك خلافًا لزمن القصة الدياكروني، فالزمن في السرد يلجأ للاسترجاع (فلاش باك) والاستشراف، وقد يتنقل الحكي بين الماضي والمستقبل ثم يعود للحاضر، خلافًا للحكاية التي لها خط زمني منضبط.
المفهوم الملتبس للرواية التاريخية
الرواية هي أصلاً دفق من التاريخ، تتشكل فيه ومنه وبه. التاريخ ليس مجرد أحداث الماضي، بل فعل وجودي إنساني وديناميّة تتعالق بكل أشكال التعبير. الرواية حين تمتح من أحداث ماضوية، لا يعني أنها تاريخية، بل رواية تحفر بعيدًا في الوجود الإنساني بحثًا عن حكايات تؤسس رؤية جمالية وراهنية ومشروعًا مجتمعيًا.
ليس دور الروائي إعادة كتابة التاريخ أو تصحيحه، بل تقديم أصوات أخرى عاشت المرحلة. القيمة فيما يقدمه جماليّة لا علاقة لها بالحقيقة الأكاديمية.
الرواية التاريخية اصطلاحًا هي وهم؛ من عادوا للتراث والماضي الإنساني والحضاري، واستندوا إلى أحداث محددة ضمن سياق زمني حكائي، هم أدباء، يقدمون الأحداث من رؤية شخصيات غير مرئية للمؤرخ أو هامشية، أو أغنوا الواقعة التاريخية بالخيال، فأنتجوا منتجًا جماليًا، لا تاريخيًا بالمعنى الأكاديمي، بل حضاريًا.
الرواية مهما تنوعت زمنيًا، تبقى مشروعًا جماليًا يسقط الماضي على الحاضر ضمن رؤية نقدية، فالاحتلال واقع تاريخي راهني، والباقي في النصوص السردية خيال يعزز الوظيفة الجمالية. هناك تيمات مركزية: القهر، التسلط، الأسطورة. المرجعية التاريخية وظيفة تخطيبية لا تأريخية.
اللغة والسجلات السردية
سؤال: ناديت في مشروعك الثقافي بالحفاظ على مستوى معيّن من اللغة والابتعاد عن تتفيه اللغة والألفاظ المعربة، بالمقابل كنت تستخدم تعدد الخطوط السردية. ما الصعوبات التي واجهتك في تجسيد الشخصيات المختلفة ثقافيًا واجتماعيًا وعلميًا؟
جواب: الرواية نص إبداعي بامتياز، وهي شكل راقٍ للغة والأساليب، ويمكن أن تغدو سندًا لغويًا تعليميًا. مشروعي يدعو للرقي باللغة العربية السردية، وعدم استعمال ألفاظ دخيلة على حساب العربية. لكل شخصية سجل لغوي محدد حسب ثقافتها، المجتمع، ومستوى تعليمها.
مثال:
شاعر يحكي: “أرتقي أدراج السلم الذي أنهكه الزمن والظلام، هل السلالم تشيخ…؟ كأنّي أسمع جدارًا يهمس…”
لص يحكي: “أصعد السلالم، كانت درجاتها قديمة جدًا، أكاد أن أسقط، الجدار عفن متهالك، أشعر كأنني في المشرحة…”
الارتقاء اللغوي لا يعني خلط السجلات، بل احترام بنية اللغة العربية ومعجمها وأساليبها، مع مراعاة البعد الثقافي للشخصيات.
تعدد الأصوات السردية
سؤال: ما الصعوبات التي تواجهها عند استخدام تقنية تعدد الأصوات؟
جواب: الرواية عمل مضنٍ، يتطلب وعيًا بكل التفاصيل لتجنب المفارقات. أشتغل وفق جذاذة لكل شخصية تحدد أبعادها المادية، النفسية، الاجتماعية والثقافية، وأحدد دورها في البرنامج السردي. أحيانًا أغير الجذاذة عند ظهور واقع لم أتوقعه. التماهي مع الشخصيات محفوف بالمخاطر، كل شخصية مستقلة عني، ومسارها يحدده البرنامج السردي، أترك السياق يصنع المسار، وأحيانًا أخرق الحتمية لإنتاج الصدمة والمتعة.
الانسجام بين الحكاية والخطاب
سؤال: إلى أي مدى يجب أن يكون الانسجام بين مادة الحكاية وبنائها الفني؟
جواب: الرواية تتكون من حكاية وخطاب سردي. الحكاية أساسية، لكن قيمة النص في الخطاب، أي كيفية سرد الحكاية. الخطاب السردي هو جوهر الإبداع، يسمح ببناء الحكاية وفق زمن الخطاب لا زمن الحكاية. الرؤية هي رهان الرواية، لفتح شهية السؤال دون تقديم بديل إيديولوجي.
دراسة الشخصيات
في رواية هاتف السيدة نجوى، تناولت قضايا منطقة الظل، وجمعت بين الواقعية والرمزية. الرواية واقعية مهما ادعت الرمزية، والرمزية طبقة شعرية على الواقعية. الشخصيات نماذج فنية لواقع نفسي واجتماعي، الهاتف رمزية لصناعة المعنى والتفسير الرمزي للعالم المحيط بالشخصية.
جذب الشباب للقراءة
سؤال: كيف يمكن للرواية أن تستقطب الشباب في زمن الصورة والرقمنة؟
جواب: المقروئية محدودة تاريخيًا، مع تراجع دور الجامعة والنقد، ظهرت التفاهة والإنتاج الزائف. الكتابة السردية مشروع جمالي، لا تتكيف مع فهم عام أو نزعة استهلاكية. الزمن فاضح التفاهة، والأدب له مناعة تاريخية وحضارية، يخرج من الهامش بفعل مختلف السلط.
خاتمة: كان حوارًا غنيًا مع أديب تذخر كتاباته بالحياة، يُؤكد أن الرواية مشروع جمالي قائم على الخطاب والسرد، لا مجرد توثيق أو تأريخ.

*خالد أخازي روائي ومثقف وإعلامي مغربي بارز في الساحة الأدبية العربية، تُعرف أعماله بالتركيز على اللغة العربية الفصيحة، والسرد الجمالي، وتحليل المواقف الاجتماعية والسياسية والثقافية عبر بناء سردي معاصر يتجاوز الرتابة والتقليدية. أعماله الروائية تزخر بقضايا الهوية، الذاكرة، الإنسان، والواقع الاجتماعي، وتُعدّ جزءاً من مشروع أدبي يسعى إلى إعادة الاعتبار للحكاية والسرد بأسلوب راقٍ متداخل بين الواقعية والرمزية.
– رواياته المنشورة:
1. عشق في زمن الغضب (2018)
رواية صدرت عن دار روافد في مصر، تمثل بداية مشروعه السردي، وتتناول مصائر شخصيات في سياق اجتماعي وسياسي متأزم بلغة سردية متماسكة تجمع بين الواقعية والتحليل الزماني والمكاني.
2. ذاكرة جدار الإعدام (2019)
صدرت عن دار مدارك للنشر والتوزيع، وتستعرض حياة شخصية سالم الزموري بين المنفى والالتحام بالذاكرة الوطنية في مواجهة القهر والظلم، حيث يمتزج السرد بالذاكرة الفردية والجماعية في فضاء ضد الاحتلال.
3. أسرار أمونة (2020–2021)
رواية صدرت عن دار مركز الأدب العربي بالسعودية، وهي الثالثة في مشروعه السردي. تقرّب التاريخ بالأسطورة وتفكيك بنية الاستعمار وبنية الوعي الاجتماعي عبر تأملات وجودية تتجاوز السرد التقليدي.
4. هاتف السيدة نجوى (2023/2024)
عمل سردي صدر عن دار الوطن للطباعة والنشر في المغرب، يمزج بين الواقعية والرمزية، ويهتم بتحليل الشخصيات داخل سياقات اجتماعية وسيكولوجية تستحضر الأسئلة الوجودية لعلاقة الفرد بمجتمعه.
5. صريع الخوالي (2022)
رواية صدرت عن دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر، وتُعدّ جزءاً من مشروع مفترض لـ «أسفار ملحمة عشق في زمن الغضب» بتركيز على التحليل السيكولوجي والتحولات الاجتماعية، وتطرح وجهات نظر نقدية في مواجهة التطرّف وتناقضات الذات والمجتمع.
6. رجال ما بعد منتصف الليل
عمل سردي منشور ضمن أعماله وتم توثيقه في قوائم الكتب الرقمية؛ يعالج قضايا الحياة والوجود بانسياب سردي يركز على تحولات الزمن والشخصيات.
7. السلمون يعود ليموت
رواية أخرى من إنتاجه الروائي يظهر ضمن قوائم منشورات الكتب، تتعامل مع الذاكرة، التذكّر، والانتقال بين الوجوديات الإنسانية رغم قلة المعلومات التفصيلية المتاحة عبر مصادر المكتبات الإلكترونية.
8. أحلام واحة في منتصف العمر
نشرت ضمن قاعدة بيانات منشورات كتب، وتندرج ضمن الأعمال الروائية التي تتعامل مع أزمات الإنسان في منتصف حياته، بأسلوب سردي يستوعب التمثلات الثقافية والاجتماعية للشخصيات.




