الرئيسيةسياسةمجتمع

حين أجهض العمال والولاة تجارة الأصوات باسم الفقراء

لم تعد “القفة الرمضانية” مجرد مبادرة تضامنية بريئة، بل تحولت عند بعض المنتخبين إلى أداة انتخابية مكتملة الأركان، تُدار من داخل الميزانيات، وتموّل من المال العام، وتُوزَّع على الفقراء بيد، وتحصل بها الأصوات باليد الأخرى. غير أن ما لم يكن في حسبان هؤلاء، أن اللعبة هذه المرة أُجهضت قبل أن تبدأ.

عمال الأقاليم وولاة الجهات، في عدة مدن ومجالات ترابية، قطعوا الطريق على هذا الاستغلال الفجّ للفقر، برفض التأشير على مشاريع ميزانيات جماعية تضمنت تحايلاً واضحًا باسم “الدعم الاجتماعي” و”مساعدة الفقراء”، بينما كانت الغاية الحقيقية هي تمهيد الأرضية لطموحات انتخابية مبكرة.

لم يكن القرار إداريا باردا، بل صفعة سياسية في وجه من ظن أن الفقر بند قابل للتوظيف، وأن رمضان موسم انتخابي مفتوح.

 

التحايل كان مكشوفا: تغيير التسميات، تثبيت المبالغ أو رفعها، إدراج القفة داخل فصول فضفاضة، ثم تسريع سندات الطلب للسكر والدقيق والزيت والتمور قبل حلول الشهر الفضيل. ميزانيات تُكتب بالحاسوب، لكنها تفكّر بمنطق الحملات. هنا تدخل العمال والولاة، وأسقطوا التأشير، وأسقطوا معه وهم “العمل الاجتماعي” الذي يخفي حسابات الصندوق.

الأخطر أن هذا الاستغلال لم يكن معزولا، بل محاطا بشبهات تضارب مصالح، حيث استفادت شركات ونقط بيع، بعضها في ملكية منتخبين، من صفقات تزويد مستودعات جماعية، في دورة مغلقة عنوانها: المال العام يمول القفة، والقفة تمول النفوذ. ولولا تدخل السلطة الترابية، لكان الفقير مرة أخرى مجرد تفصيل في صورة انتخابية محسوبة الزوايا.

ما وقع رسالة قاسية لكنها ضرورية: الفقر ليس وسيلة، والدعم الاجتماعي ليس غطاء أخلاقيا للسباق نحو الأصوات.

ومن يريد العمل الاجتماعي فليبن برامج دائمة، لا مواسم دعائية. ومن يريد السياسة فليواجه الناس بخياراته، لا بأكياس الغذاء.

ما فعله العمال والولاة هو إعادة رسم الخط الأحمر: هنا ينتهي التضامن، وتبدأ الدعاية. وهنا سقطت القفة… قبل أن تسقط السياسة في مستنقع الابتذال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى