خطبة الجمعة اليوم عن بدر : ما لم تقله توجيهات أحمد توفيق

خالد أخازي
تحول يوم الجمعة في المغرب إلى محطة تأمل وطنية كبرى، مع توحيد الخطبة بقرار سيادي من المجلس العلمي الأعلى حول ذكرى غزوة بدر الكبرى. هذا الحدث الذي وقع سنة 624، وشهد مواجهة المسلمين بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم لجيش قريش، لم يكن مجرد واقعة حربية عابرة في سجلات التاريخ، بل كان زلزالا سياسيا واجتماعيا أعاد ترسيم حدود القوة في الجزيرة العربية.
ورغم أن الخطاب الرسمي ركز بوضوح على تجليات النصر الإلهي والتوكل الرباني ووحدة الصف، إلا أن إدراكنا العميق لعظمة الرسول عليه الصلاة يتطلب منا اليوم تجاوز القشرة الوعظية التقليدية، لنبش تلك العبقرية التدبيرية الفذة التي أدار بها رجل الدولة الأول أزمة وجودية بكل احترافية وعقلانية ميدانية.
في هذا السياق لا يختلف مغربيان على الرمزية الكبرى لبدر، فهي في المخيال الشعبي المغربي استعارة حية لانتصار القلة المؤمنة على الكثرة الباغية، وهو ما تعززه الأرقام التاريخية التي تتحدث عن 313 مقاتلا في مواجهة جيش مدجج بالسلاح.
لكن السؤال الذي يطرحه المثقف والفاعل الجمعوي اليوم: هل استنفدنا دروس بدر بمجرد سرد المعجزات؟ إن الخطاب الديني المعاصر، ومنه خطبة الجمعة الأخيرة، يميل غالبا لتقديم نموذج الإيمان الجالب للنصر كمعادلة خطية بسيطة، وهي قراءة وجدانية ضرورية لشحذ الهمم، لكنها تغفل تكنولوجيا القيادة التي اعتمدها الرسول عليه الصلاة.
هذه القيادة هي التي جعلت من بدر محطة حاسمة في تثبيت سلطة مجتمع المدينة الوليد أمام الهيمنة التجارية لقريش، كما فصل في ذلك المؤرخ مونتغمري وات الذي رأى فيها انتصارا للمشروع السياسي بقدر ما هو انتصار عسكري
لقد كانت بدر مختبرا حقيقيا لإدارة الخلاف وصناعة القرار تحت ضغط الخطر المحدق. الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكتف بانتظار الغيب أو الركون إلى الوحي، بل فعل الشورى كآلية سياسية وميدانية صلبة، مستمعا لآراء الصحابة ومغيرا خططه العسكرية بناء على أهل الخبرة والتخصص.
هنا تبرز العظمة النبوية في أبهى صورها، عظمة ترفض الانفراد بالرأي وتحترم العقل الجماعي، وهي دروس تتجاوز شعارات الطاعة الجامدة لتطرح أسئلة جوهرية حول كيفية بناء المؤسسات وإدارة السلطة وتدبير الموارد المحدودة بذكاء استراتيجي
إن الاكتفاء بالجانب الغيبي في الخطب المنبرية قد يحجب عن الأجيال الصاعدة صورة الرسول عليه الصلاة كقائد استراتيجي ملهم، استطاع تحويل جماعة مضطهدة إلى دولة مهابة تمتلك رؤية وقدرة فائقة على المناورة.
إن تعميق القراءة في أحداث بدر يكشف لنا عن فلسفة المواطنة الأولى؛ فحين استشار الرسول عليه الصلاة الأنصار قبل المعركة، كان يرسخ عقدا اجتماعية وسياسيا جديدا، يقر بأن المسؤولية مشتركة وأن القرار لا يفرض فوقيا بل يبنى بالتراضي.
هذا الجانب السياسي المضيء هو ما نحتاج استحضاره في مغرب اليوم، لتعزيز قيم المشاركة والمسؤولية الجماعية. فالرسول عليه الصلاة بفعله هذا، علمنا أن اليقين بالله لا يتناقض مع إعمال الفكر، بل يدفعه نحو الكمال.
ليست المشكلة في استحضار بدر بمساجدنا، بل في اختزال حمولتها الفكرية. فالتاريخ ليس خزانا للأجوبة الجاهزة بل هو فضاء لإعمال الفكر والنقد البناء.
وإذا كانت بدر قد علمتنا شيئا، فهو أن النصر ليس صدفة إيمانية فحسب، بل هو ثمرة مجتمعات تتشاور وتخطط وتدرك أن الإيمان قوة محركة للعقل لا معطلة له.
لقد كانت بدر لحظة إنسانية وتاريخية كاملة، صهر فيها الرسول عليه الصلاة اليقين الروحي بالواقعية السياسية، وهو الدرس الذي نحتاجه اليوم لتدبير أزماتنا المعاصرة بقوة العقل والتشاور الحقيقي، ونحن على بعد شهور من استحقاقات انتخابية، ترسخ الديمقراطية والمشاركة الجماعية وفق نموذج متطور للشورى.




