اقتصادالرئيسية

رهان صيني جديد: المغرب منصة لصناعة سيارات الغد

القسم الاقتصادي

في تحول يعكس نضج التجربة الصناعية المغربية وصعودها داخل سلاسل القيمة العالمية، تشهد الاستثمارات الصينية في قطاع صناعة السيارات بالمغرب انتقالا لافتا من الأنشطة التقليدية منخفضة القيمة المضافة إلى مجالات تكنولوجية متقدمة، في مقدمتها الإلكترونيات الدقيقة، وأشباه الموصلات، وحلول الاستشعار الذكي، بما يرسخ موقع المملكة كمنصة صناعية إقليمية ذات أفق عالمي.

بعد سنوات كان الحضور الصيني فيها محصورا أساسا في صناعات مثل الكابلاج والإطارات، بدأت خريطة الاستثمارات الجديدة تعكس توجها نوعيا أكثر عمقا. مشاريع بمئات ملايين الدراهم تعلن تباعا، حاملة معها تكنولوجيا متقدمة ورهانات صناعية طويلة المدى. استثمار شركة Jiangsu Yunyi Electric في وحدة لإنتاج أشباه الموصلات وحساسات الأوكسجين والآزوت، باستثمار يناهز 609 ملايين درهم، ليس سوى مؤشر على هذا التحول البنيوي. الأمر نفسه ينطبق على مشروع Tianyouwei المتخصص في المكونات الإلكترونية، ورهان Bethel-Automotive Safety Systems على المغرب كمركز صناعي مملوك بالكامل يخدم الأسواق الدولية.

هذا التطور لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات العميقة التي عرفها النسيج الصناعي الوطني خلال العقدين الأخيرين. فالمغرب الذي كان يعتمد في بداياته على تجميع أجزاء السيارات، أصبح اليوم يتوفر على رأسمال بشري عالي التأهيل، ومهندسين متخصصين في تصميم المحركات والأنظمة الذكية، إضافة إلى منظومة صناعية ولوجستية متكاملة. وقد انعكس ذلك في ارتفاع معدل الإدماج المحلي إلى ما يقارب 70 في المائة، مع طموح واقعي لبلوغ 80 في المائة في أفق 2030.

كما أن الرهان على البحث العلمي والتطوير لم يعد شعارا، بل ممارسة فعلية تدعمها مختبرات متخصصة في الصناعات الميكانيكية والكهربائية، وتفتح الطريق أمام صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، خاصة تلك القائمة على الفوسفاط، المورد الاستراتيجي الذي يتوفر عليه المغرب بكميات وازنة.

من زاوية جيو-اقتصادية، يبدو المغرب اليوم خيارا ذكيا للصين في سعيها لتعزيز تنافسيتها في أسواق الإلكترونيات والبطاريات أمام الولايات المتحدة وأوروبا. فإلى جانب الاستقرار السياسي والمؤسساتي، يوفر المغرب بيئة استثمارية جاذبة، واتفاقيات تبادل حر مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فضلا عن انتقاله المتسارع نحو الطاقات المتجددة، التي تمثل قرابة 40 في المائة من مزيج الإنتاج الكهربائي الوطني.

إن هذا التقاطع بين الرؤية الصناعية المغربية والطموح الصيني لا يعكس فقط نجاح سياسات جذب الاستثمار، بل يؤشر على تشكل نموذج جديد للتعاون جنوب-جنوب، قوامه نقل التكنولوجيا، وبناء القيمة، وتوطين الصناعات المستقبلية. وبهذا المعنى، لا يبدو المغرب مجرد وجهة استثمارية، بل شريكا صناعيا صاعدا، يكتب بهدوء فصلا جديدا في خريطة صناعة السيارات العالمية، فصل عنوانه القيمة المضافة، لا مجرد الكلفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى