الرئيسيةكتاب الرأيمن الزيرو... مع نهرو...

سفيان نهرو *: نهاية اللعبة: بنكيران يقامر بالاستقرار الروحي للمغاربة لإنقاذ حزبه من الانقراض

إن ما يمارسه عبد الإله بنكيران في خرجاته الأخيرة ليس مجرد “شغب سياسي” عابر، بل هو إمعان مقصود في خلط الأوراق وتسميم الفضاء العام بمزايدات هوياتية بئيسة، تجعل من الدين أصلا تجاريا لإنقاذ حزب يحتضر سياسيا.

إن هذا الإصرار المحموم على احتكار النطق باسم “القيم الإسلامية” داخل الحلبة الحزبية، يمثل طعنة غادرة في ظهر الدولة الوطنية الحديثة، وتطاولا سافرا على الاختصاصات الحصرية لمؤسسة إمارة المؤمنين، التي هي الضامن الوحيد والشرعي للحقل الديني في المغرب بنص الدستور والتاريخ، إن بنكيران، الذي يبدو أنه لم يستفق بعد من صدمة الاندحار الانتخابي، يحاول اليوم العودة إلى الواجهة عبر “دغدغة العواطف الدينية” للمغاربة، في محاولة يائسة لشرعنة وجوده السياسي فوق أنقاض المؤسسات، ومنح قرارات حزبه “قدسية زائفة” تجعل من منتقديه “خصوما للعقيدة” لا مجرد معارضين لبرنامج فاشل.

 خطورة هذا النهج تكمن في كونه يؤسس لـ “دولة داخل الدولة”، حيث يتحول الزعيم الحزبي إلى “فقيه ضال” يوزع صكوك الغفران والتدين على مقاس مصالحه التنظيمية.

هذا التداخل الفج بين “الدعوي” و”السياسي” ليس مجرد سوء فهم، بل هو استراتيجية “تجييش عاطفي” تهدد السلم المجتمعي وتزرع بذور الانقسام، فالدولة المغربية التي قطعت أشواطا في البناء المؤسساتي منذ 2011، تجد نفسها اليوم أمام عبثية سياسية تستغل المشترك الروحي للمواطنين لتغطية عجز تقني وتنموي صارخ.

فالأصل في العمل الحزبي هو مقارعة الأرقام بالأرقام، والبرامج بالبدائل، والسياسات العمومية بالنجاعة الميدانية، وليس الاحتماء خلف “المحراب” للهروب من استحقاقات المحاسبة الشعبية، إن هذا الهروب إلى الأمام يعكس إفلاسا فكريا تاما، حيث يتم استدعاء “السماء” لشرعنة أخطاء “الأرض” في تدبير الشأن العام.

لقد أثبتت التجارب المريرة في دول الجوار، أن تسييس الدين هو الوصفة السحرية لخراب الأوطان وتمييع قدسية المعتقد، فالدين حين ينزل إلى وحل المناورات الحزبية الضيقة يفقد جلاله الروحي، والسياسة حين ترتدي جلباب الواعظ تصبح “دكتاتورية أخلاقية” تقصي كل من لا يسير في فلكها.

 السكوت عن هذا التطاول الحزبي على “المشترك الديني” هو تواطؤ ضد مستقبل المغرب، لقد آن الأوان لتفعيل مقتضيات القانون التنظيمي للأحزاب بكل حزم، وتجفيف منابع “الاستثمار الانتخابي” في المقدسات، إن مغرب القرن الواحد والعشرين لا يحتاج إلى “أوصياء” يفتشون في ضمائر الناس، بل يحتاج إلى رجال دولة يحترمون فصل السلط وفصل المجالات، ويؤمنون بأن صناديق الاقتراع هي الميدان الوحيد لإثبات الشرعية، بعيدا عن لغة “التكفير السياسي” والتحصن بالغيبيات في معارك دنيوية محضة.

إن حماية الفعل السياسي من “منطق القداسة” هو في جوهره حماية للدين نفسه من التدنيس في صراعات المصالح، فربط الإيمان بمصير حزب معين هو مغالطة كبرى، تجعل من كل إخفاق بشري في تدبير قطاع الصحة أو التعليم أو الشغل “إخفاقا للدين”، وهو ما يؤدي في النهاية إلى نفور الأجيال الصاعدة من المرجعية الدينية بسبب سوء استخدامها، إن الرهان اليوم هو صون هيبة الدولة من لغو الشعبوية، وتحرير السياسة من “خطاب الوصاية”، في إطار دولة المؤسسات التي لا تقبل القسمة على اثنين، فإما دولة يسود فيها القانون والتعاقد السياسي الصريح، وإما غوغائية حزبية تقتات على استغلال المشترك الديني لتدمير ما تبقى من مصداقية للفعل الحزبي في بلادنا.

* إعلامي وباحث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى