الرئيسيةحوادث

شبكة للاتجار في الأحكام القضائية تصل إلى قفص الاتهام.. والنيابة العامة تستند إلى أبحاث الفرقة الوطنية

الدار البيضاء 
أحالت النيابة العامة المختصة على أنظار القضاء ملفا ثقيلا يتعلق بشبكة مفترضة للاتجار في الأحكام القضائية والتلاعب في مدد العقوبات الحبسية، تضم أربعة متهمين رئيسيين هم: جمال.ل، وعبد الغني.ن، وعبد الله.ك، وعبد السلام.ب، وذلك بناء على أبحاث معمقة باشرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية.

ويواجه المتهمون الأربعة، الذين يتمتعون بقرينة البراءة إلى حين إدانتهم بحكم نهائي، صك اتهام يتضمن جناية تكوين عصابة إجرامية بغرض ارتكاب جنايات ضد الأموال، وتهم الإرشاء والارتشاء واستغلال النفوذ، والوساطة لدى موظفين عموميين لقضاء مصالح غير قانونية، فضلا عن المتاجرة في الأحكام القضائية والتلاعب في مدد العقوبات الحبسية مقابل مبالغ مالية.

تفيد المعطيات المتوفرة أن التحقيقات انطلقت من مؤشرات أولية حول وجود وسطاء يتحركون في محيط بعض المعتقلين وذويهم، يعرضون خدمات مشبوهة تتعلق بـ”تخفيف الأحكام” أو “تقليص مدد العقوبات الحبسية” مقابل مبالغ مالية.

هذه المؤشرات قادت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية إلى فتح أبحاث تمهيدية اعتمدت على الاستماع إلى الشهود ومواجهة المشتبه فيهم وجمع الإفادات والمعطيات المالية، قبل أن ترفع الخلاصات إلى النيابة العامة المختصة التي صاغت صك الاتهام.

وبحسب ما يثيره الملف من معطيات، فإن دور بعض المشتبه فيهم كان يتمثل وفق الشبهات المنسوبة إليهم  في لعب دور الوسيط بين معتقلين أو ذويهم وبين متدخلين في المسار القضائي، مع وعود بالتأثير في مسار بعض الملفات أو تعديل مدد العقوبات مقابل مبالغ مالية متفاوتة.

وتجسد صك  الاتهام  في جناية تكوين عصابة إجرامية بغرض ارتكاب جنايات ضد الأموال، وهي من التهم الثقيلة في القانون الجنائي المغربي، إذ تفترض وجود تنظيم مسبق بين عدد من الأشخاص لارتكاب أفعال مجرّدة تمسّ الذمة المالية بشكل ممنهج والإرشاء والارتشاء واستغلال النفوذ**: أي تلقي أو منح مبالغ مالية أو امتيازات غير مستحقة، مقابل تدخل غير مشروع في أداء مهام موظف عمومي أو ذي صفة قانونية.

كما تضمن صك الاتهام تهما متعلقة بالوساطة لدى موظفين عموميين لقضاء مصالح غير قانونية، وهي تهمة تعكس وجود طرف “وسيط” يقدم نفسه كقادر على التأثير في قرارات إدارية أو قضائية مقابل مقابل مالي، وتتابعهم النيابة العامة بتهمة المتاجرة في الأحكام القضائي وهي أخطر ما في الملف، إذ تمس هذه التهمة قلب منظومة العدالة، من خلال الشبهات المرتبطة بتحويل الأحكام القضائية من فعل سيادي مستقل إلى سلعة للتفاوض.

وفي هذا السياق وجهت  لهم تهمة التلاعب في مدد العقوبات الحبسية، إذ تشير هذه التهمة إلى شبهة العبث بسجلات التنفيذ أو مساطر الإفراج أو احتساب العقوبات، وهي وقائع إن تحققت تُعتبر من أخطر صور الفساد داخل سلسلة تنفيذ الأحكام.

وجديربالذكر أن  هذه القضية تأتي في سياق ملفات ثقيلة شهدتها محاكم جرائم الأموال في السنوات الأخيرة، سواء في الدار البيضاء أو مراكش، همت تبديد المال العام واختلاس أموال عمومية وتزويرا في الوثائق وصفقات عمومية مشبوهة، وبعضها وصل حد الاشتباه في غسل الأموال.

وللإشارة فالتقارير  السنوية للأمن الوطني تفيد تفكيك عشرات الشبكات الإجرامية في مجال الجرائم المالية والاقتصادية، وهو ما يشير إلى تصاعد انخراط الأجهزة الأمنية والقضائية في هذا الورش، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن اتساع رقعة الفساد وخطورته على السلم الاجتماعي والاقتصادي.

رغم خطورة الوقائع المزعومة، فإن القانون يفرض التذكير الدائم بأن كل متهم بريء إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي. هذا المبدأ ليس مجرد صياغة إنشائية؛ بل هو ضمانة أساسية ضد التعسف.

في المقابل، يملك المجتمع، عبر الإعلام والرأي العام والمنظمات الحقوقية، حقًا مشروعًا في معرفة حقيقة ما يجري داخل مؤسسات يفترض فيها حماية الحقوق والحريات.

التوازن بين قرينة البراءة وحق المجتمع في الحقيقة يمرّ عبر احترام سرية البحث والتحقيق حيثما اقتضى القانون ذلك، وتغطية إعلامية مهنية تستند إلى المعطيات القضائية والبيانات الرسمية، وتتجنب التشهير أو الإدانة المسبقة.

ملف جمال.ل، وعبد الغني.ن، وعبد الله.ك، وعبد السلام.ب، بما يحمله من اتهامات ثقيلة، سيظل تحت أعين الرأي العام والهيئات الحقوقية، إلى أن يقول القضاء كلمته النهائية.

إلى ذلك الحين، تبقى الأسئلة معلقة: هل سيفتح هذا الملف الباب أمام كشف جميع حلقات الشبكة ومختلف المتورطين المحتملين؟ وهل ستستثمر مخرجات المحاكمة في تقوية آليات الرقابة والشفافية داخل منظومة العدالة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة لن تأتي من بلاغات ولا من تسريبات، بل من مسار قضائي شفاف، ومحاكمة عادلة، وحزم حقيقي في ربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن في النهاية ما ينتظره المواطن العادي: أن يكون القانون هو الفيصل الوحيد بين الناس، بلا وسطاء، ولا أثمان، ولا امتيازات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى