الرئيسيةدوليسياسة

صمت الجزائر: هل انكسرت شوكة الدبلوماسية أمام رياح الشرق الأوسط؟

ج.ع

تعيش الدبلوماسية الجزائرية واحدة من أعقد لحظاتها التاريخية، حيث يلف الصمت أروقة قصر المرادية ووزارة الخارجية تجاه التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط. هذا الغياب عن المشهد لم يعد يفسر على أنه “رزانة” أو “تريث”، بل أضحى يؤشر على انكسار استراتيجي عميق، يعكس مأزق الدولة التي حاولت لسنوات الرقص على حبال متناقضة، لتجد نفسها اليوم في مواجهة واقع دولي لا يقبل المناطق الرمادية.

تظهر القراءة المتأنية للموقف أن الجزائر باتت حبيسة “مستنقع استراتيجي” جعل خياراتها أحلاها مر. فهي من جهة، تخشى الصدام المباشر مع التوجهات الأمريكية الجديدة، خاصة مع عودة إدارة ترامب التي لا تتردد في فرض تكاليف سياسية باهظة على المواقف المناهضة لمصالحها أو مصالح حلفائها. ومن جهة أخرى، تجد الجزائر نفسها عاجزة عن تقديم دعم صريح للمحور الإيراني الذي يشهد تراجعا في نفوذه الإقليمي، مما يجعل المراهنة عليه مخاطرة غير مأمونة العواقب على الاستقرار الداخلي والمكانة الدولية.

علاوة على ذلك، تسبب التذبذب في العلاقات مع القوى العربية الكبرى، مثل السعودية والإمارات، في عزل الجزائر عن “السرب العربي” الفاعل، مما أفقدها القدرة على المناورة الجماعية. إن محاولة الوقوف على الحياد في قضايا مصيرية تحولت من استراتيجية “مسك العصا من المنتصف” إلى عبء مزدوج، حيث أصبح كل صمت يفسر كضعف، وكل تصريح غير محسوب يجر وبالا من الضغوط الاقتصادية والسياسية.

إن الدرس المستفاد من التحولات الجيو-سياسية الراهنة هو أن مدرسة الدبلوماسية التقليدية التي تعتمدها الجزائر قد استنفدت أغراضها. العالم الحديث القائم على المصالح الصريحة والتحالفات المتينة لم يعد يترك مكانا للمواقف الهلامية.

الصمت الجزائري الحالي ليس إلا انعكاسا لإفلاس رؤية قديمة عجزت عن مواكبة التغيرات، مما يحتم ضرورة صياغة عقيدة دبلوماسية جديدة تبتعد عن التناقضات، وتدرك أن الحفاظ على النفوذ والمصداقية يتطلب شجاعة في اتخاذ المواقف ووضوحا في الرؤية الاستراتيجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى