مجتمع

“غرارين عويشة” في مجلس الدار البيضاء.. الثقب الأسود الذي يبتلع مليارات “كازابلانكا”

ج.ع

 في كازابلانكا الحالمة الجريحة، المدينة التي تلتهم سواعد الحالمين، وتلفظ زفرات التلوث في وجوه القانطين، لم يعد المواطن بحاجة إلى متابعة برنامج تلفزي حواري بئيس، يتحدث عن كل شيء لكنه، يترك الحقيقة وعند عتبة القناة، حتى أصبح المغاربة  يفقهون كواليس اللعبة، في حلقات الهامش.

في هذه الحاضرة الممتدة كإخطبوط أسمنتي، ولدت لغة موازية لا تعترف بالبلاغات التي تصاغ في مكاتب مكيفة، لغة تختصر المشهد بعبارة “غرارين عويشة”، هذا المصطلح الذي تسلل من عمق “درب السلطان” و”سيدي مومن” ليصبح مانشيتا سياسيا يتداول في صالونات “بوركون” الأنيقة.

إنها تلك المسافة العبثية بين ما يَعِد به “الماكياج” السياسي في الندوات الفاخرة، وبين ما تكشفه عورة الأرقام حين ترفع عنها التقارير غطاء “الحياء” المالي.

لقد نقل الصحفي سفيان نهرو، عبر موقع Le0.ma في برنامجه الشهير “أجي نتحاسبو”، هذا المصطلح من فضاء “النكتة البيضاوية” إلى مرتبة “المشرط الجراحي”، حيث لم تعد “غرارين عويشة” مجرد دعابة، بل تحولت إلى تهمة سياسية موجهة لمدبري الشأن المحلي في مجلس الجماعة.

فبينما يتبجح المنتخبون بمشاريع التحول الرقمي والمدن الذكية، تطل أرقام المليارات الضائعة في ثقوب “التدبير المفوض” لتذكرنا بأننا نعيش في “قرية ذكية” يسكنها الجهل بالوضوح، فكيف لمدينة تبتلع ميزانية دولة صغيرة أن تعجز عن تلميع وجهها دون اللجوء إلى “غرائر” تخفي تجاعيد الفشل في إدارة ملفات النظافة والنقل والإنارة؟

إن لغة الأرقام في كازابلانكا ليست مجرد عمليات حسابية، بل هي دراما تراجيدية بامتياز، فالميزانيات التي تتجاوز المليارات سنويا تبدو أحيانا مثل “الثقب الأسود”… الجميع يسمع عنها ولا أحد يراها على أرض الواقع.

في هذا الصدد أثارت الحلقات الإعلامية والمواطنين نتحاسبو زلزالا من التساؤلات حول اعتمادات بمليارات السنتيمات تبخرت في مسارات صرف تفتقر إلى الأناقة الإدارية، وهنا يأتي دور “المجلس الأعلى للحسابات” ليقوم بدور “الإطفائي الذي يصل متأخرا”، ليحرر تقريرا عن سبب الحريق، وهو ما يعرفه البيضاويون بالفطرة: أن الحكامة في هذه المدينة تعاني من “أنيميا” حادة في الشفافية.

السياسة المحلية هنا تحولت إلى “فترة إعلانية” طويلة ومملة، حيث يتقن بعض المنتخبين فن “التسويق السياسي” أكثر من إتقانهم لقوانين المالية، فتراهم يتسابقون لالتقاط الصور أمام مشاريع ولدت ميتة أو متعثرة، واعدين بغد مشرق لا يراه المواطن إلا في “إنستغرام”، لكن المدينة ببرودها المعهود  لا تبالي بصور “السيلفي” ولا بكلمات الغزل السياسي، هي لا تقرأ إلا الأثر:

هل تحسنت خدمات المستعجلات؟ وهل كفت القمامة عن محاصرة الأحياء؟ إن “غرائر التجميل” قد تخدع الكاميرا للحظة، لكنها لا تخدع طفل يقطع المسافات في حفر الشوارع المنسية.

بين خطاب “المدينة العالمية” الذي يبيعه المجلس، وتصريف الوهم من طرف “غرارين عويشة” التي يتجرعها الشارع، تضيع الحقيقة في زحام المزايدات، فالمدينة التي يسكنها الملايين، أقلهم  غدا “ناقد سياسي” لا تطلب المستحيل، هي فقط تريد “دفاتر حساب” لا تحتاج إلى مفسر أحلام لفهمها، فهل سيتوقف مدبرو الشأن العام عن ممارسة “فن التجميل” الفاشل ويبدأون في ممارسة “فن التدبير” الحقيقي؟ أم أن كازابلانكا ستبقى رهينة عبارة ساخرة تختصر بؤس المشهد وجمال الوهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى