
في البداية كان اليأس مجرد صرخة لأب خائف من مصير مجهول… فقط ظل يردد ” أين سأسكن أطفالي؟..”، ثم تحول الصراخ إلى مأساة إنسانية في هزت بوسكورة، حين اختار رب أسرة الانتحار، خوفا من التشرد.
استيقظت منطقة رمل الهلال التابعة لجماعة بوسكورة بإقليم النواصر على وقع فاجعة إنسانية مؤلمة، بعدما وضع أب لطفلين حدا لحياته في ظروف قاسية، مخلفا وراءه حالة من الذهول والحزن العميق بين الساكنة المحلية.
مأساة تسلط الضوء من جديد على الجروح الغائرة المرتبطة بملفات السكن والهشاشة الاجتماعية التي ترافق عمليات الهدم وإعادة الإيواء في هوامش الدار البيضاء الكبرى.
وتشير المعطيات القادمة من دوار الغمش إلى أن الضحية، الذي استقر بالمنطقة منذ سنة 2023 بعد اقتناء مسكن يأوي أسرته، وجد نفسه فجأة أمام جدار مسدود حين اكتشف أن اسمه سقط من لوائح الإحصاء المخصصة لبرنامج إعادة الإسكان، هذا الإقصاء لم يكن مجرد إجراء إداري بالنسبة له، بل كان يعني بوضوح فقدان الملاذ الأخير والارتقاء إلى قائمة المشردين المحتملين مع اقتراب جرافات الهدم، وهو ما أدخله في دوامة من اليأس النفسي الحاد خلال أيامه الأخيرة.
لقد كانت كلمات الراحل الأخيرة لوالديه “أين سأسكن أطفالي؟” بمثابة نبوءة سوداء لخاتمة حزينة، تعكس حجم الضغط النفسي الذي يمارسه غياب الأمان السكني على كاهل الأسر المعوزة.
هذه الصرخة التي تحولت إلى صمت أبدي، تضع اليوم مصداقية عمليات الإحصاء وطرق تدبير ملفات إعادة الإيواء تحت مجهر النقد الشعبي والحقوقي، وسط تساؤلات حارقة حول المعايير التي يتم بموجبها تحديد المستفيدين وكيف يسقط من الغربال من استثمر كل مدخراته في “حيطان” تذروها الرياح.
وفي ظل غياب توضيحات رسمية حتى الساعة، يبقى الاحتقان سيد الموقف في رمل الهلال، حيث يرى الفاعلون الجمعويون أن التوسع العمراني السريع وضغط لوبيات العقار في محيط بوسكورة، غالبا ما يتم على حساب الفئات الأكثر هشاشة.
إن هذه المأساة تستوجب فتح تحقيق دقيق ليس فقط في ملابسات الوفاة، بل في المسارات الإدارية التي أدت إلى إقصاء الضحية، مع ضرورة استحضار البعد الإنساني والاجتماعي قبل تفعيل أي قرارات تقنية تتعلق بالهدم، لضمان ألا تتحول برامج “مدن بدون صفيح” إلى مشاريع لإنتاج المآسي البشرية.




