الرئيسيةوطني

فضيحة: : قضاة العدوي ينفضون الغبار عن ملفات مافيا التوظيف بالجماعات

فتحت افتحاصات المجالس الجهوية للحسابات نافذة غير مريحة على ما يجري خلف واجهات عدد من الجماعات الترابية، بعدما أبانت المهام الرقابية الجارية داخل 17 جماعة بجهات الدار البيضاء-سطات، ومراكش-آسفي، والرباط-سلا-القنيطرة، أن أزمة تدبير الموارد البشرية لم تعد مجرد خلل تقني، بل صارت نمطا مستقرا لإدارة النفوذ وتوزيع الامتيازات.

الوقائع التي عاينها قضاة الحسابات تشير إلى انزلاق خطير في وظيفة الجماعة الترابية. فبدل أن تكون إدارة عمومية خاضعة للقانون، تحولت في حالات عديدة إلى فضاء تتحكم فيه شبكات غير رسمية، يتصدرها عمال عرضيون ومياومون أُسندت إليهم أدوار تفوق وضعهم القانوني، بينما جرى تحييد الموظفين المرسمين والأطر المؤهلة، في مشهد يعكس انقلابا هادئا على قواعد التدبير الإداري.

ما يثير القلق، وفق خلاصات الافتحاص، ليس فقط تضخم أعداد هذه الفئة، بل الكلفة السياسية والمؤسساتية لهذا التضخم.

وفي هذا السياق سجلت فالتقارير خصاصا بنيويا في التخصصات التقنية الحيوية: الهندسة، الإعلاميات، الشبكات، الصيانة، تشغيل الآليات، وهي كفاءات تشكل العمود الفقري لأي جماعة قادرة على التخطيط والتنفيذ. خصاص لم يأتِ نتيجة عجز موضوعي، بل في كثير من الحالات نتيجة اختيارات تفضّل منطق الولاء على منطق الكفاءة.

وحسب مصادر عليمة،  اعتمد المفتشون على معطيات رسمية صادرة عن مديرية تنمية الكفاءات والتحول الرقمي، كشفت أن إعادة توزيع الموظفين وفق المادة 227 من القانون التنظيمي 112.14 خلفت فراغات تقنية خطيرة داخل جماعات، استغلت لاحقا لتكريس حلول ترقيعية، لا تسندها مساطر واضحة ولا معايير شفافة، بقدر ما تحكمها حسابات انتخابية ضيقة.

وفي هذا الصدد، لم تخف التقارير أيضا ضعف فعالية تدخل الإدارة المركزية في تصحيح هذا المسار، ما سمح لبعض رؤساء الجماعات بالتمدد داخل الإدارات المحلية، وتحويل تدبير الموارد البشرية إلى أداة للضبط السياسي. هكذا، لم يعد العامل العرضي مجرد حل مؤقت، بل غدا عنصرا محوريا في توازنات داخلية، تُدار بها المصالح وتُكافأ بها الولاءات.

وفي سياق مواز، تقاطعت نتائج الافتحاص مع شكايات وتظلمات رفعها موظفون جماعيون، تحدثت عن إعادة تدوير مياومين تابعين للإنعاش الوطني، وإدماجهم في وضعيات رمادية منحتهم نفوذا فعليا داخل مصالح جماعية، دون سند قانوني، سوى القرب من المنتخب أو المساهمة في حشد الأصوات.

وفي السياق ذاته، وثقت التقارير، أن بعض هؤلاء تحولوا إلى ما يشبه خزانا انتخابيا دائما، يعاد استثماره مع كل استحقاق، مقابل امتيازات ملموسة: استعمال سيارات المصلحة، التدخل في القرار الإداري، وتشغيل الأقارب، في ضرب صريح لمبدأ الحياد ولمفهوم المرفق العمومي.

وللإشارى، فهذا بعيد جدا عن التوجيهات الصادرة عن وزارة الداخلية، التي تشدد على ربط التوظيف بالحاجيات الحقيقية والاعتمادات المالية، الواقع الميداني كشف فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة. فجوة تسمح باستمرار هذا النمط من التدبير، حيث يعاد إنتاج الفساد بصيغ ناعمة، ويستنزف المرفق الجماعي بصمت، بينما يدفع المواطن الثمن في خدمات هشة وثقة متآكلة في مؤسسات كان يفترض أن تكون في صلب القرب والإنصاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى