
يستعد القضاء الفرنسي، في الثاني من مارس 2026، لفتح أبواب المحكمة الجنائية في بوردو على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الأجهزة الأمنية، حيث يمثل فرانسوا تييري، المدير السابق للمكتب المركزي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، في مواجهة مباشرة مع اتهامات تجاوز الصلاحيات وخلط الأوراق بين العمل الاستخباراتي والضوابط القانونية.
تعود جذور هذه المحاكمة إلى أكتوبر 2015، حينما اهتزت باريس على وقع حجز أكثر من سبعة أطنان من الحشيش المغربي في عملية استعراضية، تبين لاحقا أنها كانت تخفي خلف كواليسها ترتيبات معقدة بعيدة عن أعين الرقابة القضائية الصارمة.
وتتمحور لائحة الاتهام حول قيام تييري بتسهيل دخول هذه الشحنة الضخمة إلى التراب الفرنسي تحت غطاء “التسليم المراقب”، لكن دون إحاطة السلطات القضائية بالتفاصيل الكاملة، مما حول العملية من نجاح أمني مفترض إلى فضيحة مؤسساتية أدت في نهاية المطاف إلى حل مكتب “Ocrtis” وتعويضه بالمكتب الوطني لمكافحة المخدرات “Ofast” عام 2019.
في المقابل، يصر الدفاع على أن التحرك كان ضرورة استخباراتية لاختراق الشبكات الدولية من الداخل والوصول إلى الرؤوس الكبيرة، معتبرا أن القضاء كان على دراية بالخطوط العريضة للمهمة التي تطلبت مرونة لم يستوعبها النص القانوني الجامد.
وفي قلب هذا الإعصار القضائي، يبرز اسم سفيان حمبلي، الملقب بـ”الخيال”، كحلقة وصل غامضة ومحورية في الملف، فهذا الرجل الذي تحول من مهرب دولي إلى مخبر رفيع المستوى، يجسد المنطقة الرمادية التي تلاقت فيها مصالح الأمن مع عالم الجريمة المنظمة، ورغم أنه الغائب الأكبر عن منصة المتهمين في بوردو، إلا أن ظله يخيم على كل تفاصيل المحاكمة، خاصة وأنه يقضي حاليا عقوبات ثقيلة في السجون المغربية بعد توقيفه في طنجة عام 2021، حيث أدانه القضاء المغربي بالسجن 24 سنة في ملفات تتعلق بتكوين عصابة إجرامية والاختطاف، و7 سنوات أخرى في قضايا الاتجار الدولي بالمخدرات.
إن محاكمة تييري في بوردو تتجاوز في أبعادها محاسبة مسؤول أمني سابق، لتضع الفلسفة الأمنية الفرنسية برمتها تحت المجهر، فهي تثير تساؤلات جوهرية حول الحدود الفاصلة بين الحيلة الاستخباراتية المشروعة والتواطؤ غير المباشر في إغراق الأسواق بالسموم، وبينما يترقب الرأي العام ما ستسفر عنه الجلسات، يبدو أن الحكم لن يكون مجرد كلمة فصل في مصير رجل، بل سيكون وثيقة مرجعية تعيد رسم قواعد الاشتباك بين أجهزة إنفاذ القانون وسلطة القضاء، في عالم لم تعد فيه الحدود بين “المطارد” و”الطريدة” واضحة كما كانت دائما.




