
القسم الدولي
تتبدى الملامح الراهنة للاستراتيجية الأمريكية تجاه فنزويلا كنموذج صارخ لسياسة الصفقات الكبرى التي تتجاوز القواعد التقليدية للدبلوماسية الدولية، حيث تبدو واشنطن وكأنها تدير صراعا جيوسياسيا معقدا بجهاز تحكم عن بعد، في ظل غياب ميداني ملموس وإغلاق كامل لبعثتها الدبلوماسية في كراكاس. هذا الفراغ الإجرائي لا يعكس تراجعا، بل يشير إلى نمط جديد من التدخل يرتكز على هندسة التبعية بدلا من تغيير الأنظمة عبر الغزو المباشر. وبالمقارنة مع غزو العراق عام ألفين وثلاثة، حيث استثمرت واشنطن في بناء هياكل إدارية موازية مثل سلطة الائتلاف المؤقتة، نجد إدارة ترامب اليوم تكتفي بتصريحات يغلفها الغموض حول الاهتمام بالفنزويليين، بينما تظل عينها الحقيقية مصوبة نحو احتياطيات النفط الهائلة التي تعد الأكبر عالميا، والتي تحولت بمرور الزمن إلى شريان حياة لخصوم واشنطن في كوبا والصين. إن هذا الانزياح من مربع التبشير بالديمقراطية إلى مربع الاستحواذ الطاقي يمثل جوهر المقاربة البراغماتية الفجة التي تنتهجها الإدارة الحالية، حيث يتم اختزال الأزمة السياسية في فنزويلا إلى مجرد ملف مصلحي يجب حسمه لصالح الشركات الأمريكية.
وفي هذا السياق، تبرز عملية تهميش ماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة التي تحظى بشرعية دولية وحضور نوبلي، كإشارة واضحة على أن المعايير الأخلاقية والسياسية التقليدية قد سقطت لصالح الفعالية الوظيفية. فواشنطن، وعبر تصريحات وزير خارجيتها ماركو روبيو، باتت تبحث عن شريك داخل بنية النظام نفسه، وهو ما يفسر الانفتاح المفاجئ على ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو، التي يُنظر إليها كأداة ممكنة لتنفيذ المطالب الأمريكية دون الحاجة لانفجار عسكري دمويا قد يكلف ترامب رصيده السياسي القائم على مبدأ عدم التدخل. إن محاولة روبيو للفصل بين إدارة الدولة وإدارة سياستها ليست سوى مناورة لغوية تهدف إلى صياغة مفهوم جديد للدولة التابعة، حيث تظل السيادة صورية في يد كراكاس بينما تُصنع القرارات الاستراتيجية، وخاصة تلك المتعلقة بالنفط ومكافحة المخدرات، في دهاليز البيت الأبيض.
ومع ذلك، فإن هذا الرهان الأمريكي على رودريغيز محفوف بمخاطر وجودية نابعة من بنية النظام الفنزويلي نفسه، فالنظام الذي شيد شرعيته على مدار سبعة وعشرين عاما على عقيدة معاداة الإمبريالية لن يجد سهولة في هضم هذا التحول الانتهازي. رودريغيز اليوم تجد نفسها في مأزق تاريخي، فهي مطالبة بالتوفيق بين خطابها الحماسي المدافع عن مادورو وبين الانصياع لمطالب أمريكية تعني في جوهرها تفكيك التحالفات الاستراتيجية مع كوبا وتغيير العقيدة التشافيزية الراسخة. وعلاوة على ذلك، يظل الجيش الفنزويلي بقيادة فلاديمير بادرينو لوبيز هو بيضة القبان التي لم تُحسم وجهتها بعد، إذ لا يمكن لأي تسوية مع واشنطن أن تنجح دون ضمان ولاء المؤسسة العسكرية التي ترى في النفوذ الأمريكي تهديدا مباشرا لمكتسباتها. إن المشهد الفنزويلي يتجه نحو حالة من الارتهان السياسي المفتوح، حيث تحاول واشنطن إخضاع الدولة عبر وكلاء براغماتيين، في حين تظل القوى العقائدية داخل كراكاس متمترسة خلف إرث من الصراع، مما يجعل احتمالات الانفجار الداخلي أو الفشل الاستراتيجي قائمة بقوة، طالما أن الحلول تُصاغ بعيدا عن تطلعات الشارع الفنزويلي المنهك وتركّز فقط على تأمين حصص النفط في سوق عالمية لا تعترف إلا بالقوة.




