الرئيسيةجهات وأقاليم

فوضى الأولويات بالجديدة: حواجز أوتوماتيكية ذكية تستقبل أجساداً بلا أوكسجين ولا سكانير

مولاي عبد الله الفيلالي 

بين ممرات مستشفى محمد الخامس بالجديدة، لم تعد رائحة المعقمات هي الطاغية، بل تفوقت عليها رائحة الخوف والقلق. هنا، في “قسم المستعجلات”، تتحول اللحظات الفارقة بين الحياة والموت إلى رحلة بحث شاقة عن “قناع أكسجين” أو “إبرة قياس سكر”، في مشهد يختزل واقعاً صحياً مريراً يئن تحت وطأة الخصاص وسوء التدبير.
ليس من السهل أن ترى مسنا يصارع ضيق التنفس، أو طفلا يخنقه السعال في برد الشتاء القارس، ثم تفاجأ عائلته بطلب “سريالي”: “اخرجوا واشتروا قناع الأكسجين من الخارج أولا”. في تلك اللحظة، لا يبحث المريض عن علاج فقط، بل يبحث عن كرامة مهدورة على عتبات مستشفى يفترض أن يوفر أبسط مقومات البقاء. هذا النقص في “الأقنعة” ليس مجرد خلل لوجستي، بل هو خناق يضيق على صدور الضعفاء الذين لا يملكون ثمن الدواء، فكم بالأحرى ثمن “الهواء”.

لم يتوقف الألم عند حدود التنفس، بل امتد ليمس مرضى السكري الذين يقصدون المصلحة في حالات إغماء أو تدهور مفاجئ.

غياب “إبر الوخز” البسيطة جعل من التشخيص السريع ضربا من المحال، ليجد المريض نفسه تائها في دوامة المواعيد والمختبرات، بينما الساعات تمر والوضع يتفاقم.

أما “السكانير”، ذلك الجهاز الذي يقطع الشك باليقين في الحالات الحرجة، فقد تحول إلى “جثة هامدة” منذ ثلاثة أسابيع. تعطلت الآلة، فتعطلت معها آمال الأسر الفقيرة، التي تجد نفسها مرغمة على طرق أبواب المصحات الخاصة، حيث الأرقام لا ترحم والجيوب خاوية.
الأكثر إيلاماً في مشهد “مستعجلات الجديدة”، هو ذلك التناقض الصارخ في أولويات التدبير. فبينما يفتقر القسم لإبرة وخز وقناع أكسجين، نبتت عند مداخله حواجز حديدية أوتوماتيكية “فاخرة”. يتساءل المرتفقون بمرارة: كيف توفرت الميزانية لتحصين المداخل بالحديد، وعجزت عن توفير وسيلة لإنقاذ الأرواح بالداخل؟ هل أصبحت “هيبة البناية” أهم من “حياة الإنسان”؟
نداء الكرامة
إن ما يحدث في المستشفى الإقليمي بالجديدة ليس مجرد “أزمة معدات”، بل هو اختبار لضمير المسؤولين عن القطاع الصحي بالإقليم. إن المواطن الذي يقطع المسافات مثقلا بمرضه، لا يطلب المستحيل، بل يطلب فقط حقه المشروّع في “نفس” لا يباع في الخارج، وفي “فحص” يحترم إنسانيته.
تتعالى اليوم الأصوات، ليس للمطالبة بمحاسبة المقصرين فحسب، بل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتحول المستعجلات إلى مجرد محطة انتظار لما لا يأتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى