
القسم الاجتماعي
في خضم الارتفاع المتواصل لتكلفة الفحص الطبي بالمغرب، خصوصا داخل القطاع الخاص، يبرز قرار المستشفى الجامعي الدولي الشيخ خليفة بالدار البيضاء اعتماد تسعيرة موحدة قدرها 150 درهم لاستشارات التخصص، ابتداء من فاتح فبراير 2026، كخطوة تنظيمية إيجابية تحمل بعد اجتماعي واضح، وتؤشر على وعي مؤسساتي بضرورة ضبط الأسعار وعدم تركها لمنطق السوق وحده.
الوثيقة الرسمية الصادرة عن إدارة المستشفى، تنفيذا لتعليمات مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، لا تعكس فقط قرارا إداريا داخليا، بل تندرج ضمن محاولة عقلنة كلفة الولوج إلى الاستشارة التخصصية، في سياق باتت فيه أسعار الفحص الطبي تعرف تفاوتا حادا بين مؤسسة وأخرى، وأحيانا داخل المدينة الواحدة.
فعلى أرض الواقع، تجاوزت كلفة الاستشارة لدى عدد من الأطباء المتخصصين في القطاع الخاص عتبة 250 و300 درهم، بل وأكثر في بعض التخصصات، دون أن يواكب ذلك أي تحيين للتعويضات التي يستفيد منها المنخرطون في أنظمة التغطية الصحية. وهو ما يجعل من تسقيف الاستشارة في 150 درهم داخل مؤسسة استشفائية جامعية ذات تجهيزات متقدمة خطوة تحسب لها، لا عليها.
كما أن أهمية القرار تتعزز إذا ما وضع في سياق أوسع، يتمثل في استمرار العمل بتعريفات مرجعية وطنية للعلاج لم تراجع منذ قرابة عشرين سنة. ففي ظل هذا الجمود، يجد المؤمن له نفسه مضطرا لتحمل فروقات مالية كبيرة، حتى عندما يلج مؤسسة صحية منظمة، وهو ما يثقل كاهله ويضعف فعليا أثر التغطية الصحية.
من هذا المنظور، لا يشكل قرار المستشفى رفعا مقنعا للأسعار، بل على العكس، يمكن اعتباره آلية ضبط داخل فضاء صحي يشهد تضخما غير مراقب في كلفة الخدمات الطبية. فاختيار تسعيرة محددة وواضحة، ومعلنة سلفا، يحد من الغموض ويعزز ثقة المرتفق، خاصة حين يتعلق الأمر بمؤسسة جامعية يفترض فيها الجمع بين الجودة، والتكوين، والبعد الاجتماعي.
ولا يقل القرار أهمية من حيث رمزيته، إذ يبعث برسالة مفادها أن التحكم في الأسعار لا يزال ممكنا، حتى في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والتجهيز الطبي، شريطة توفر إرادة مؤسساتية ورؤية تدبيرية متوازنة.
صحيح أن الإشكال الأكبر يظل قائما على مستوى المنظومة ككل، خصوصا ما يتعلق بتحيين التعريفات المرجعية للتعويض، غير أن مبادرات من هذا النوع تظهر أن بعض المؤسسات اختارت التحرك داخل هامش الممكن، بدل انتظار إصلاح شامل قد يطول.
في النهاية، قد لا يكون رقم 150 درهم حلا لكل أعطاب المنظومة الصحية، لكنه في السياق الحالي يظل رقما معقولا، يخفف نسبيا من عبء الفحص الطبي، ويعيد بعض التوازن إلى علاقة المريض بالمؤسسة الصحية، في انتظار إصلاحات أعمق وأشمل.




