قفة رمضان تحت الحصار.. تقارير سوداء تلاحق “أذرع منتخبين جمعوية” المشبوهة

بحلول شهر رمضان الفضيل، تعود “القفة” لتتصدر واجهة النقاش العمومي في المغرب، لا بصفتها مبادرة تضامنية إنسانية خالصة، بل كملف إداري وسياسي شائك يوضع تحت مجهر الرقابة المشددة من طرف سلطات الوصاية.
في هذا السياق، كشفت معطيات متقاطعة من جهات الدار البيضاء-سطات ومراكش-آسفي والرباط-سلا-القنيطرة، عن توجيه ولاة هذه الجهات تنبيهات صارمة لعمال الأقاليم والعمالات، بناء على تقارير استعجالية رفعتها الجهات المختصة، رصدت من خلالها محاولات مفضوحة للالتفاف على الضوابط القانونية التي تنظم العمل الاجتماعي المرتبط بالجماعات الترابية، وهو ما يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات حارقة حول استغلال حاجة الفئات الهشة في “تسخينات” سياسية في قلب الشهر الكريم.
وفي هذا السياق، توقفت التقارير المرفوعة إلى الإدارة المركزية عند ظاهرة خطيرة وصفت بـ “تمويه” قفف رمضان، وهي عملية تهدف إلى طمس معالم المساعدات وتجريدها من أي ملصقات أو إشارات مباشرة قد تكشف جهة التمويل الحقيقية أو الهوية السياسية للمانح، في محاولة لـ “تبييض” هذه المبادرات وجعلها تبدو كفعل خيري عفو.
هذه القفف المموهة في الحقيقة وسيلة لاستمالة الأصوات بعيدا عن أعين الرقابة، مع اعتماد طرق توزيع سرية أو التخزين في مستودعات خاصة.
وجدير بالذكر أن هذه الممارسات تضع المتورطين فيها في مواجهة مباشرة مع القوانين، ولا سيما المادة 9 من المرسوم رقم 2.97.1051 الصادر في 2 فبراير 1998 المتعلق بحظيرة سيارات الإدارات العمومية والجماعات المحلية، الذي يمنع قطعا توظيف الوسائل العمومية خارج المهام الإدارية المحددة لها.
يشار أن القانون تسخير آليات الجماعة لنقل “إحسان” يراد به باطل سياسي في وقت ينتظر فيه المواطن عدالة اجتماعية لا صدقات مشروطة.
وفي هذا السياق سبق لوزارة الداخلية أن حسمت موقفها منذ سنوات بمنع إدراج اعتمادات توزيع القفف ضمن ميزانيات الجماعات الترابية، لقطع الطريق أمام أي استغلال انتخابي للمال العام، مؤكدة أن العمل الاجتماعي يجب أن يخضع لبرامج شفافة مؤطرة بالقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، بعيدا عن منطق “الولائم الانتخابية” الموسمية.
وفي سياق مقابل، مازالت المصادر تشير إلى لجوء بعض المنتخبين إلى الجمعيات كـ “أذرع خفية” لتمرير هذه المساعدات في عز أيام الصيام، بل ووصل الأمر إلى حد تسجيل شبهات حول اقتراض مبالغ من مقاولين أو مستثمرين لتغطية كلفة هذه القفف في دوائر انتخابية معينة، بعد أن رفضت سلطات الوصاية التأشير على أي زيادات في البنود الاجتماعية داخل الميزانيات المحلية، مما يحول الفعل الخيري إلى “ديون سياسية” مؤجلة الدفع ترهق كاهل التدبير المحلي.
في هذا الصدد، يرى متتبعون للشأن المحلي أن هذا التقاطع الخطير بين العمل الخيري والمجال السياسي يطرح إشكالية أخلاقية وقانونية عميقة، فالقانون التنظيمي رقم 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية يجرم بوضوح تقديم هبات لاستمالة الأصوات.
فإذا كانت السلطات تميز بين التضامن العفوي وبين الاستغلال السياسي، فإن الواقع يثبت أن “القفة” أصبحت أداة ضغط وتوجيه في يد من يملكون مفاتيح التدبير المحلي، مما يحول الفعل التضامني من قيم التكافل الإسلامي إلى وسيلة “إذلال” مقنعة لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة، وهو ما يفرض تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لضمان عدم تحول أموال دافعي الضرائب أو نفوذ المؤسسات إلى “وقود” لحملات انتخابية مشبوهة تضرب مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل، وتفسد قدسية الشهر الفضيل بممارسات انتهازية.
ونوه مهتمون بالشأن السياسي بتحرك سلطات الرقابة، هي وصفتها بإرادة حقيقية لحماية المسار الديمقراطي من الانزلاقات “الإحسانية”، لكن المعركة الحقيقية لا تكمن فقط في منع شاحنة من إفراغ حمولتها، بل في تغيير ثقافة سياسية تعتاش على الأزمات الاجتماعية وحاجة الفقراء، فالمواطن المغربي لم يعد يتقبل أن تكون كرامته رهينة “كيس دقيق” يوزع تحت جنح الظلام.
الرسالة الموجهة للفاعلين السياسيين واضحة: زمن الخلط بين “الصدقة” والسياسة قد ولى، والمحاسبة لم تعد مجرد شعار، بل هي واقع تفرضه تقارير “الداخلية” التي تترصد كل من تسول له نفسه تحويل رمضان إلى موسم لجني الأصوات بدل كسب الثواب، فهل تنجح صرامة القانون في لجم طموحات “سماسرة الانتخابات” الذين يقتاتون على مآسي المستضعفين؟




