
في خطوة تعكس جدية المواجهة مع اختلالات مراقبة البناء، باشرت وزارة الداخلية حملة تأديبية واسعة تستهدف رجال وأعوان السلطة المتورطين في التستر على مخالفات التعمير والبناء العشوائي. وجاءت هذه الإجراءات استناداً إلى تقارير ميدانية وخرائط محينة كشفت عن تقصير وتستر في عدد من المناطق.
وانطلقت الحملة التأديبية في أقاليم جهة الدار البيضاء-سطات، مع نية تعميمها على جهتي مراكش-آسفي وفاس-مكناس في الأسابيع القليلة المقبلة. وشملت الإجراءات سحب أختام محاضر التعمير من بعض رجال السلطة ومعاقبة أعوانهم بسبب التقصير في التبليغ عن بنايات غير مرخصة. وتم بالفعل توقيف عوني سلطة، أحدهما مقدم والآخر شيخ، في إقليم مديونة بعد ثبوت تسترهما على بناء مستودع عشوائي تم إقامته من قبل أقارب رئيس جماعة محلية. وتتراوح العقوبات التي تنظر فيها المجالس التأديبية بالعمالات بين العزل والتوقيف والتوبيخ، حسب حجم التجاوزات المثبتة.
وكشفت صور جوية التقطتها “درونات” تابعة لمصالح ولائية ووكالات حضرية عن وجود عدد من مخالفات التعمير لم تدرج في محاضر المراقبة الرسمية، مما يؤكد حجم التقصير. وتستعد السلطات لإطلاق حركة انتقالية في صفوف القواد والباشوات بالمناطق التي تعرف توسعا للبناء غير المرخص، لتكثيف حملات المراقبة.
بالتوازي مع إجراءات المحاسبة، أعلنت وزارة الداخلية عن حزمة إصلاحات تهدف إلى تحسين الوضعية الاجتماعية والمادية لأعوان السلطة. وأوضح وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت أن سنة 2024 شهدت ترقية 133 عون سلطة إلى درجة خليفة قائد من الدرجة الثانية، بناء على معايير الاستحقاق والكفاءة وبعد اجتياز مقابلات شفهية. وتسعى الوزارة إلى زيادة عدد هذه المناصب التشجيعية مستقبلا.
وأكد لفتيت أن أعوان السلطة، وخصوصا في المجال الحضري، يستفيدون من منظومة متكاملة من الحقوق تشمل الأجور والتعويضات العائلية ومرتبطة بالخدمة، بالإضافة إلى التغطية الصحية الإجبارية والتكميلية، والتعويض عن حوادث الشغل، والانخراط في نظام التقاعد. كما تشمل هذه الحقوق نظام الترقي الداخلي والرخص الإدارية والمرضية.
من جهة أخرى، أثيرت في البرلمان إشكالية غياب نظام أساس خاص ينظم مهنة أعوان السلطة ويحدد حقوقهم وواجباتهم بشكل واضح. وأكدت بعض الانتقادات أن هذه الفئة لا تزال تعاني من تدني الأجور وغياب إطار تنظيمي يعترف بخصوصيات عملها، رغم المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتقها.
تواجه وزارة الداخلية اختبارا حقيقيا في تدبير هذا الملف، حيث تجمع بين سياسة العصا والجزرة: تطبيق المحاسبة الصارمة على المخالفين والمتورطين في ملفات الفساد، وفي نفس الوقت السعي إلى تحسين أوضاع هذه الهيئة الترابية الهامة عبر منح حوافز مادية ومعنوية وفتح آفاق الترقية. ويكمن التحدي الأكبر في ضمان أن تساهم هذه الإصلاحات المتوازية فعلياً في تعزيز النزاهة والكفاءة في صفوف أعوان السلطة، والارتقاء بأدائهم ليكونوا حماة فعليين للمصلحة العامة وللقانون.




