
تشهد الساحة الدينية في المملكة المغربية حالة من الاستنفار التنظيمي عقب صدور توجيهات حازمة من وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، تهدف إلى إعادة ضبط الممارسة الدينية داخل المساجد، وضمان انصهارها الكامل ضمن بوتقة “الثوابت الوطنية”.
تأتي هذه الخطوة في سياق تقارير رصدت تفاوتا في أداء الشعائر والخطب ببعض الجهات، مما اعتبرته الوزارة خروجا عن “الأمن الروحي” للمغاربة الذي يقوم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وتصوف الجنيد.
في هذا السياق اتسمت المراسلة الوزارية الأخيرة بلغة توجيهية صارمة لمندوبي الشؤون الإسلامية بضرورة تفعيل آليات المراقبة والتتبع، والضرب على أيدي المتهاونين في تطبيق “دليل الإمام والخطيب”، وهو الوثيقة المرجعية التي تحدد بدقة متناهية كيف يجب أن يظهر الإمام، وكيف يتحدث، وحتى كيف يؤدي حركاته الصلاة، لضمان وحدة المظهر والمخبر في كافة ربوع المملكة.
وفي هذا الصدد كشفت المعطيات الواردة من تقارير المجالس العلمية المحلية، خاصة في جهة الدار البيضاء سطات، عن رصد عشرات المخالفات التي وصفتها الدوائر الرسمية بـ “النشاز التعبدي”، حيث لوحظ تزايد في اعتماد “القبض” في الصلاة (وضع اليد اليمنى على اليسرى) في مناطق جرى العرف فيها على “السدل”، وهو ما تراه الوزارة تشويشا على المصلين ومخالفة للمشهور في المذهب المالكي المغربي، كما شملت الملاحظات عدم الالتزام بقراءة “الحزب الراتب” (القراءة الجماعية للقرآن الكريم) التي تعد من أبرز سمات التدين المغربي الأصيل، بالإضافة إلى تسجيل تباين في طريقة رفع الأذان ومقاماته الموسيقية المغربية الأندلسية، وتفاوت الفترات الزمنية بين الأذان والإقامة، مما خلق نوعا من الارتباك في تدبير الزمن المسجدي، هذه الإخلالات لم تتوقف عند حدود العبادة، بل امتدت لتشمل “الهندام الشرعي”، حيث رصدت التقارير تخلت بعض الأئمة عن ارتداء الجلباب المغربي أو “السلهام” فوق المنبر، وهو ما تعتبره الوزارة مساسا بوقار الوظيفة الدينية وهيبة الإمامة.
وفي سياق مواز، شددت الوزارة على أن المنبر ليس منصة للتعبير عن الآراء الشخصية أو الخوض في قضايا سياسية أو فكرية خارج الإطار الذي يرسمه المجلس العلمي الأعلى.
وفي السياق ذاته أكدت التوجيهات على ضرورة تقيد الخطباء بالمواضيع المقترحة والالتزام بمضامينها حرفيا، مع التركيز على قيم التسامح والتربية الروحية، ويأتي هذا التشديد في إطار خطة “تسديد التبليغ” التي أطلقتها الوزارة لرفع كفاءة الخطباء وتحويل الخطبة من مجرد وعظ تقليدي إلى أداة للتوجيه الديني الرصين الذي يخدم استقرار المجتمع، كما تضمنت التعليمات ضرورة الالتزام برواية ورش عن نافع في القراءة، ومنع استخدام أي روايات أخرى في الصلوات الجهرية أو الحلقات القرآنية داخل المساجد، مع التأكيد على حمل العصا أثناء الخطبة كرمزية تقليدية توارثها الخطباء المغاربة منذ قرون.
وجدير بالذكر أن هذه الإجراءات الصارمة لم تخل من ردود متباينة بشكل لافت، حيث يرى تيار من الباحثين في الشأن الديني أن “مأسسة التدين” هي ضرورة قصوى لحماية الدولة من التيارات الدخيلة والأفكار الوافدة التي قد تستغل المساجد لنشر إيديولوجيات غريبة عن البيئة المغربية، ويعتبر هؤلاء أن انضباط الإمام بالدليل الرسمي هو حماية له أولا وللمصلين ثانيا من الفتنة المذهبية، وفي المقابل، تعالت أصوات تنتقد ما وصفته بـ “الوصاية الإدارية” على الشعائر، معتبرة أن قضايا مثل “القبض أو السدل” هي مسائل فقهية خلافية يسع فيها التنوع، وأن التضييق على الأئمة في تفاصيل دقيقة كالهندام أو طول اللحية قد يؤدي إلى تفريغ الوظيفة الدينية من روحها وتحويل الإمام إلى مجرد “موظف” ينفذ تعليمات دون اجتهاد روحي، كما حذر البعض من أن المبالغة في التوحيد الشكلي قد تثير حفيظة المصلين الذين تعودوا على مرونة معينة في ممارساتهم المحلية.
وفي هذا الصدد، باشرت مندوبيات الشؤون الإسلامية عقد اجتماعات تواصلية مع الأئمة لشرح هذه المقتضيات وتوضيح العواقب المترتبة على عدم الامتثال، والتي قد تصل إلى الإعفاء من المهام، وتؤكد الوزارة أن الهدف ليس التضييق، بل “تحصين المساجد” وضمان أن تظل فضاءات للسكينة والوحدة، بعيدا عن أي تجاذبات مذهبية أو سياسية، ومع استمرار هذا الجدل، يبقى التحدي الأكبر أمام وزارة الأوقاف هو كيفية الموازنة بين فرض الانضباط المؤسسي والحفاظ على عفوية التدين الشعبي، لضمان أن تظل المؤسسة المسجدية في المغرب صمام أمان للهوية الوطنية ومركزا للإشعاع الروحي الذي لا يقبل الانقسام.




