
أعلنت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات عن استكمال عملية الإحصاء والترقيم الشامل للقطيع الوطني بنهاية دجنبر 2025، حيث تم جرد 32.3 مليون رأس من الماشية، مع رصد غلاف مالي استثنائي قدره 5.5 مليار درهم لدعم المربين، صرفت منها بالفعل 5.2 مليار درهم لفائدة نحو 1.1 مليون مستفيد. وتأتي هذه الخطوة، التي اعتمدت على التحويلات البنكية والبريدية المباشرة، لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين بناءً على قاعدة بيانات رقمية موحدة، تزامناً مع ظروف مناخية مواتية تميزت بتساقطات مطرية وثلجية هامة ستسهم في تعزيز الإنتاج الكلئي وتخفيف العبء عن كاهل الكسابين.
لكن بعيدا عن النشوة الرقمية، طرح المتتبعون رؤية قراءة نقدية تربط بين الدعم المباشر ومآلات الأسواق الاستهلاكية، فالسؤال الجوهري الذي يطرحه المستهلك المغربي اليوم: هل سيترجم هذا الاستثمار العمومي الضخم والوفرة الرعوية إلى انخفاض ملموس في أسعار اللحوم؟ إن حصر 32.3 مليون رأس يشير إلى بداية تعافي القطيع الوطني من أزمات الجفاف المتتالية، إلا أن انعكاس هذا التعافي على الأسعار قد لا يكون فوريا، فالمنظومة الجديدة تهدف بالأساس إلى حماية “أصل الرأسمال الحيواني” وإعادة بناء القطيع، مما يعني أن المربين قد يتجهون نحو الاحتفاظ بالإناث لإعادة التوالد بدلا من توجيهها للذبح، وهو سلوك استراتيجي قد يبقي العرض في المجازر محدودا على المدى القريب رغم الدعم المالي السخي.
علاوة على ذلك، فإن نجاح “الحكامة الرقمية” في الوصول إلى 1.1 مليون مربي يقطع الطريق على المضاربين في الأعلاف، لكنه لا يسيطر بالضرورة على “مضاربي اللحوم” في أسواق الجملة والتقسيط. فالدعم الموجه للمنتج يقلل من كلفة الإنتاج، لكن غياب هيكلة موازية لسلاسل التوزيع يهدد بامتصاص تلك الهوامش الربحية من طرف الوسطاء قبل وصولها للمستهلك النهائي. إن فتح باب التظلمات في يناير الجاري يعكس رغبة الوزارة في سد ثغرات الإحصاء، لكن الرهان الحقيقي يكمن في تحويل هذه “الداتا” إلى أداة لضبط الأسعار وضمان السيادة الغذائية، وليس فقط وسيلة لتوزيع المساعدات المالية. فبدون ربط الدعم المباشر بالتزامات تتعلق بتموين السوق المحلية بأسعار عادلة، سيبقى مبلغ الـ 5.5 مليار درهم مجرد دعم اجتماعي لساكنة الأرياف، أكثر منه رافعة اقتصادية لخفض كلفة المعيشة في المدن.




