اقتصاد

ميدبارك بالنواصر يعزز تموقع المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية لصناعة الطيران

لم يكن إطلاق منصة MidParc بالنواصر سنة 2013 مجرد مشروع عقاري صناعي، بل جسّد تحولا استراتيجيا في الرؤية الصناعية للمغرب. ففي إطار سعيه إلى تنويع قاعدته الإنتاجية والانتقال نحو قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة، اختار المغرب صناعة الطيران باعتبارها قطاعا عالي التقنية، شديد الارتباط بسلاسل التوريد العالمية، وقادرا على خلق فرص شغل مؤهلة ونقل المعرفة الصناعية.

وقد شكل اختيار الموقع بمحاذاة مطار محمد الخامس الدولي عنصرا حاسما في نجاح المشروع، إذ يمنح القرب من البنية التحتية الجوية ميزة لوجستية تنافسية في صناعة تقوم على الدقة الزمنية واحترام آجال التسليم. وانطلقت المرحلة الأولى على مساحة 63 هكتارا كنواة صناعية متخصصة حصريا في مهن الطيران، في توجه عكس إرادة واضحة لبناء قطب صناعي متخصص بدل مناطق صناعية عامة.

وخلال السنوات الأولى، ركزت المنصة على استقطاب فاعلين دوليين يشكلون ركائز أساسية في سلسلة القيمة الجوية. وشكلت الشراكة الاستراتيجية الموقعة سنة 2016 مع Boeing محطة بارزة، إذ استهدفت إلى جانب الاستثمار المباشر تطوير منظومة موردين محليين مندمجين في برامج صناعية عالمية. كما عززت Safran حضورها عبر وحد ات متخصصة في أنظمة الطائرات والمكونات الميكانيكية الدقيقة، ما ساهم في ترسيخ موقع المغرب داخل الشبكات الصناعية الأوروبية.

ومع إطلاق المرحلة الثانية سنة 2018 على مساحة إضافية تناهز 62 هكتارا، دخلت المنصة مرحلة نضج صناعي أوضح، حيث لم يكن التوسع استجابة لطلب عقاري فحسب، بل مؤشرا على الانتقال إلى أنشطة أكثر تعقيدا من الناحية التكنولوجية. واستقرت شركات متخصصة في المواد المركبة والهياكل الجوية، من بينها Hexcel، كما توسعت أنشطة Airbus Atlantic، مما مكن المنصة من الانتقال من تصنيع أجزاء منفردة إلى إنتاج أنظمة فرعية متكاملة، وهو تحول نوعي يعكس ارتفاع مستوى الإدماج الصناعي المحلي وتعزيز الثقة في الكفاءات التقنية الوطنية.

وفي سنة 2025، بلغ هذا المسار مرحلة أكثر تقدما مع تدشين مجمع صناعي لتجميع وصيانة محركات LEAP-1A المستخدمة في طائرات Airbus من طراز A320neo، وهو نشاط يمثل قلب التكنولوجيا الجوية لما يتطلبه من دقة هندسية عالية وأنظمة تتبع صارمة واختبارات معقدة. ويعزز دخول مجال تجميع المحركات تموقع المغرب ليس فقط كموقع تصنيع، بل كفاعل في أنشطة الصيانة والإصلاح ذات البعد الإقليمي، خاصة في ظل التحولات المرتبطة بالكفاءة الطاقية وتقليص الانبعاثات في قطاع النقل الجوي.

وفي فبراير 2026، تعزز هذا المسار بإطلاق مشروع جديد لمجموعة Safran لتصنيع أنظمة هبوط الطائرات باستثمار يقارب 280 مليون يورو، موجه أساسا لبرامج Airbus، وهو نشاط يتطلب معايير أمان صارمة ومواد عالية الأداء، ويؤشر إلى تعميق القيمة المضافة الصناعية وانتقال المنصة إلى حلقات أكثر استراتيجية ضمن البنية الأساسية للطائرة.

وبعد أكثر من عقد على انطلاقها، تمتد MidParc على ما يفوق 125 هكتارا وتحتضن عشرات الشركات العالمية، مسهمة في خلق آلاف فرص الشغل وتعزيز صادرات قطاع الطيران. غير أن ما يميز تجربتها ليس فقط حجم الاستثمارات، بل منطق التدرج الذي حكم تطورها، من نواة متخصصة إلى توسع مدروس، ثم انتقال تدريجي نحو أنشطة أعلى تعقيدا في سلسلة القيمة، بما يعكس نموذجا صناعيا قائما على الرؤية الاستراتيجية وبناء الثقة مع الشركاء الدوليين ورفع مستوى الإدماج التكنولوجي بشكل مرحلي، ويعزز تموقع المغرب ضمن الدول القادرة على احتضان صناعات جوية متقدمة ذات بعد عالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى