الحملة الشتوية 2026 لصيد الأخطبوط: انتعاش بيولوجي يعزز الاقتصاد الاجتماعي ويكرس رهانات الاستدامة البحرية

القسم الاقتصادي
في انطلاقة مسؤولة بقيم الاستدامة، تترجم التحول الحكيم لكن العميق في بنية الاقتصاد البحري الوطني، دشنت الحملة الشتوية لصيد الأخطبوط برسم سنة 2026 عاكسة العلامات الفارقة على نضج مقاربة التدبير المستدام، وتنامي الوعي الجماعي بأهمية تثمين الموارد البحرية دون استنزافها.
فالأمر لم يعد مجرد موسم صيد عابر، بل مسارا تنمويا متكاملا يضع المهني في صلب المعادلة، ويصون في الآن ذاته الرأسمال البيولوجي للأجيال المقبلة.
المؤشرات العلمية الصادرة عن المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري جاءت هذه المرة بلغة الأرقام الواضحة، حيث سجل بقوة تحسن ملحوظ في الكتلة الحيوية للأخطبوط، مع توازن أفضل في بنية المخزون، بما يسمح بهوامش أوسع للتدخل التدبيري الرشيد.
هذا التحسن ترجم ميدانيا في رفع الحصص المخصصة لمختلف مكونات المصيدة، خصوصا جنوب بوجدور، حيث سجلت زيادات مهمة تراوحت بين 27 و31 في المائة مقارنة بحملة 2024، في دلالة قوية على استعادة المصيدة لعافيتها، وعلى فعالية فترات الراحة البيولوجية كخيار استراتيجي لا رجعة فيه.
وانطلقت الحملة الشتوية رسميا في فاتح يناير 2026 على امتداد الساحل الوطني، عقب صدور القرارات الوزارية المؤطرة لاستئناف نشاط صيد الأخطبوط، بعد راحة بيولوجية امتدت لثلاثة أشهر ونصف. هذه الفترة لم تكن إجراء شكليا، بل محطة بيئية حاسمة لإعادة تجديد المخزون، ومنح الأنواع البحرية الزمن الضروري للنمو والتكاثر، بما يضمن دورة إنتاجية أكثر توازنا واستقرارا.
وفي انسجام تام مع منطق الاستباق بدل المعالجة اللاحقة، أقرت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري إجراء احترازيا لافتا، تمثل في منع الصيد داخل شريط الثمانية أميال البحرية بين بوجدور وطانطان لمدة شهر كامل. القرار استند إلى الرصد اليومي للمخزون، وإلى توصيات علمية دقيقة، هدفها حماية صغار الأخطبوط التي تعرف هذه المنطقة كثافة ملحوظة لها خلال هذه الفترة، وتفادي أي ضغط مبكر قد يخل بتوازن المصيدة.
أما على مستوى الحكامة والتنزيل الميداني، فقد جرى تعزيز منظومة المراقبة بشكل غير مسبوق، عبر تنسيق متعدد المستويات شمل السلطات المحلية، والدرك الملكي، والبحرية الملكية، إلى جانب تعبئة مختلف المديريات المركزية والمندوبيات الجهوية للصيد البحري. هذه المقاربة الصارمة لا تستهدف الزجر بقدر ما تروم تكريس ثقافة الامتثال للقانون، وضمان تكافؤ الفرص بين المهنيين، وحماية المجهودات الجماعية من ممارسات معزولة قد تقوض التوازن العام.
وفي هذا السياق، تجاوزت الحملة الشتوية 2026، القطاع الضيق لتغدو نموذجا في التناغم بين متطلبات النمو الاجتماعي لمهنيي البحر، وحتمية الحفاظ على الثروة السمكية.
إنها رسالة واضحة مفادها أن الاستدامة لم تعد شعارا نظريا، بل خيارا عمليا يؤتي ثماره حين يُبنى على العلم، ويُدعّم بالحكامة، ويُصغى فيه لنبض البحر قبل إغراء العائد السريع.




