
تشهد الساحة الإعلامية المغربية موجة جدل جديدة، عقب الاتهامات الثقيلة التي وجّهتها الكونفدرالية المغربية لناشري الصحف والإعلام الإلكتروني بشأن ما اعتبرته غياباً شبه تام للشفافية في تدبير الميزانيات المخصّصة لكل من المجلس الوطني للصحافة واللجنة المؤقتة المكلفة بتدبيره.
ووفق المعطيات التي كشفت عنها الكونفدرالية، فإن هذه المؤسسات استفادت من اعتمادات مالية تجاوزت 19 ملياراً و200 مليون سنتيم من المال العام، دون أن يصدر عن الجهات المشرفة أي تقرير مالي مفصّل يوضح طرق صرف هذه المبالغ أو يحدد المسؤوليات المرتبطة بها.
الكونفدرالية عبّرت عن استياء شديد مما وصفته بـ”الغموض المريب” الذي يحيط بتدبير هذه الأموال، معتبرة أن الأمر يمسّ مبادئ الحكامة الجيدة ويقوّض الثقة داخل الجسم الإعلامي. كما دعت إلى تدخل حكومي ومهني عاجل لـ”تحرير التنظيم الذاتي من قبضة الانتهازيين“، على حد تعبيرها، مع التأكيد على ضرورة إعادة الاعتبار لقيم المهنة وصون المكتسبات التي راكمها المغرب في مجال حرية التعبير وحقوق الإنسان.
وفي خضم هذا الاحتقان، فاجأت الكونفدرالية الجميع بفتح ملف جديد بعد تفاعلها مع فيديو نشره الصحافي حميد المهداوي على قناة “بديل”. الفيديو يوثّق مشاهد من داخل لجنة أخلاقيات المهنة التابعة للجنة المؤقّتة، وهي تتداول في شكاية تخصّه. وقد أثار ما ظهر في المقطع صدمة واسعة، إذ تضمّن عبارات نابية وتصرفات اعتبرتها الكونفدرالية مسيئة للمهنيين، ومؤشّراً على احتمال التلاعب بالقرارات التأديبية، فضلاً عن إقحام غير مسؤول لأسماء قضاة ومحامين، في تجاوز خطير لقواعد الانضباط والاحترام التي ينبغي أن تطبع جلسات التداول.
وشدّدت الكونفدرالية على أن القوانين المنظمة للمجلس الوطني للصحافة وللجنة المؤقتة لا تجيز مطلقاً تسجيل جلسات التداول بواسطة الكاميرات، معتبرة أن ما ظهر في الفيديو يمثّل انتهاكاً صارخاً لأخلاقيات الوساطة والتحكيم، ولأسس التنظيم الذاتي للمهنة. وطالبت بفتح تحقيق قضائي شامل، وترتيب المسؤوليات في حق كل من يثبت تورطه في الإخلال بالواجبات الأخلاقية والتنظيمية. كما دعت إلى حجز جميع التسجيلات المصوّرة داخل اللجنة، قصد كشف السياقات التي كانت تُتخذ فيها القرارات التأديبية، بما في ذلك القضايا المرتبطة بالمهداوي وباقي الزملاء.
ودعت الكونفدرالية الصحافيين ومديري النشر الذين خضعوا لإجراءات أمام لجنة الأخلاقيات إلى اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقوقهم في الصور والفيديوهات التي تم تسجيلها دون علمهم، ومتابعة كل من تورط في تصويرهم دون إذن. كما طالبت بسحب جميع التسجيلات المنجزة داخل المجلس أو اللجنة المؤقتة، حماية لكرامة المهنيين وصوناً لخصوصياتهم، مع ضرورة إشعار الزوار مسبقاً بوجود أي معدات تصوير في حال استخدامها لأغراض أمنية فقط.
كما شددت على ضرورة متابعة كل من ينصب نفسه متحدثاً باسم المجلس الوطني للصحافة المنحل أو باسم اللجنة المؤقتة التي انتهت صلاحيتها القانونية، وحرمان كل المتورطين في هذه التجاوزات من تولي أي مهام داخل هيئات التنظيم الذاتي مستقبلاً. وطالبت كذلك بإلغاء جميع القرارات الصادرة عن اللجنة المؤقتة خلال سنتي 2024 و2025، باعتبارها اتُّخذت في سياقات يشوبها الخلل وغياب الضمير المهني، والعودة إلى اعتماد قرارات المجلس المنتخب ديمقراطياً خلال ولايته الممتدة بين 2019 و2023.
وفي خضم هذه التطورات، أعادت الكونفدرالية طرح سؤال ثقيل يتعلق بالمصير الغامض لمليارات المال العام التي ضُخت في حسابات المجلس الوطني للصحافة واللجنة المؤقتة، من دون أي أثر لتقارير مالية توضّح كيفية صرفها أو تحدد أوجه تدبيرها. وأكدت أن هذا الغياب التام للشفافية يثير تساؤلات كبرى حول طرق تدبير هذه الاعتمادات، ويستوجب مساءلة واضحة وصريحة لكل من تحمّل مسؤولية الإشراف على هذه الميزانيات الضخمة.
وختمت الكونفدرالية بيانها بدعوة ملحّة إلى المسؤولين الحكوميين والمهنيين الشرفاء لتوحيد الجهود من أجل إنقاذ نظام التنظيم الذاتي من الممارسات الانتهازية، والدفاع عن القيم الأصيلة للصحافة الوطنية، وحماية المكتسبات التي راكمها المغرب في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان. وشددت على أن المرحلة الراهنة تتطلب قدراً عالياً من الشفافية والنزاهة لاستعادة الثقة داخل الجسم الصحافي، وإعادة ترتيب البيت الداخلي للمهنة بما يليق بحساسيتها وأدوارها الأساسية




