الرئيسيةمن الزيرو... مع نهرو...

هكذا نرى يا لالة فاطمة الزهراء الدولة الاجتماعية

من السهل أن تتحدث الحكومة عن الدولة الاجتماعية. العبارة جميلة، واسعة، وتصلح لكل المناسبات تقريبا. يستطيع كل وزير أن يجد فيها ما يناسب قطاعه، وأن يقدمها في صورة إنجاز قادم، حتى ليخيل للمواطن أن المشكلة لم تعد في غياب الحلول، بل في أن هذه الحلول تحتاج فقط إلى بعض الوقت كي تصل إليه.

لكن المواطن المغربي لا يعيش بالشعارات. يعيش بما يتقاضاه آخر الشهر، وبما يتركه له السوق بعد اقتناء الضروريات، وبما يطلبه الطبيب والصيدلي، وبما يدفعه لتعليم أبنائه، وبما ينتظره من معاش حين تنتهي سنوات العمل. لذلك، حين ترفع الحكومة شعار الدولة الاجتماعية، فمن حق الناس أن يسألوا: ما الذي سيتغير فعلا في حياتنا؟ ومتى؟ وعلى حساب من؟

هذه هي الأسئلة التي كان ينبغي أن تحتل قلب التصريح الحكومي، لا أن تبقى في هامشه.

فالدولة الاجتماعية ليست أن تمنح الأسرة دعما مباشرا ثم تتركها تواجه وحدها موجة الغلاء، وليست أن توسع التغطية الصحية فيما يظل المريض يبحث عن موعد، أو يشتري من ماله دواء لا يجده في المستشفى، أو يضطر إلى الاقتراض حتى لا يتحول المرض إلى مأساة عائلية.

وليست أن نتحدث عن إصلاح التعليم فيما يظل مستقبل الطفل مرتبطا، إلى حد بعيد، بقدرة أسرته على توفير ما تعجز عنه المدرسة العمومية.

هنا تحديدا يبدأ النقاش الحقيقي. ليس في عدد البرامج التي أعلنتها الحكومة، بل في المسافة التي تفصل هذه البرامج عن حياة الناس.

خذوا القدرة الشرائية مثلا. لا يحتاج المغربي إلى تقرير اقتصادي كي يعرف أن دخله لم يعد يكفيه كما كان. تكفيه زيارة للسوق، أو فاتورة الماء والكهرباء، أو مصاريف شهر دراسي جديد. وحين تتحدث الحكومة عن تحسين القدرة الشرائية، فإن السؤال ليس كم إجراء ستعلن، بل كيف ستمنع الأجور والمعاشات من فقدان قيمتها، وكيف ستواجه ارتفاع تكاليف العيش، وما الذي ستفعله لحماية الذين لا يملكون دخلا إضافيا يعوض ما تلتهمه الأسعار.

أما الدعم المباشر، على أهميته بالنسبة إلى الأسر المستحقة، فلا ينبغي أن يتحول إلى مسكن اجتماعي دائم.

فليس من المعقول أن نعالج آثار الغلاء من دون أن نسأل عن أسبابه، أو أن نمنح المواطن مساعدة بيد، ثم نترك قدرته الشرائية تتآكل باليد الأخرى. المطلوب ليس فقط مساعدة الفقير على تحمل الفقر، بل بناء سياسات تقلل من إنتاجه وتمنع اتساع دائرته.

وفي الصحة، يصبح شعار الدولة الاجتماعية أكثر إحراجا حين يصطدم المريض بواقع مختلف. فما قيمة أن يكون المواطن مشمولا بالتغطية الصحية إذا كان لا يجد العلاج في الوقت المناسب؟ وما معنى الحق في الصحة إذا كانت الأسرة مضطرة إلى المفاضلة بين مصاريف العلاج ومتطلبات الحياة اليومية؟

المشكلة ليست في النصوص وحدها، بل في المستشفيات التي تحتاج إلى التجهيز، والأطر التي ينبغي توزيعها بعدالة، والأدوية التي يجب أن تكون متاحة، والمواعيد التي لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة انتظار طويلة. المواطن لا يطلب معجزة، إنه يريد أن يجد طبيبا حين يحتاج إليه، وأن يحصل على العلاج من دون أن يبيع ما يملك أو يستدين من أقاربه.

والأمر نفسه ينطبق على المدرسة العمومية. لا يمكن الحديث بجدية عن تكافؤ الفرص بينما تجد بعض الأسر نفسها مضطرة إلى دفع تكاليف إضافية للدعم المدرسي والنقل والتجهيزات، حتى تضمن لأبنائها الحد الأدنى من فرص النجاح. المدرسة التي لا تمنح أبناء الفقراء تعليما جيدا لا تكتفي بإخفاقها في التدريس، بل تترك الفوارق الاجتماعية تنتقل من الآباء إلى الأبناء، وكأن الفقر إرث لا يجوز لأحد أن يخرج من دائرته.

كان من المفيد أن يوضح التصريح الحكومي كيف ستقاس جودة التعليم، وكيف ستقلص الفجوة بين المدارس، وما الذي سيتغير في المناطق التي لا تزال تعاني نقص الخدمات والموارد. فليس كل تعميم للمدرسة تعميما للفرص، وليس كل طفل يجلس في القسم يحصل بالضرورة على التعليم الذي يستحقه.

ثم هناك الشغل، وهو الجرح الذي لا تداويه الخطب. ماذا يعني النمو الاقتصادي لشاب أنهى دراسته ولا يجد عملا؟ وماذا يعني الاستثمار لأسرة يعيش أبناؤها على أعمال متقطعة، بلا استقرار ولا حماية كافية؟ لا يكفي أن نعلن عن فرص الشغل، بل ينبغي أن نسأل عن طبيعتها، وعن الأجور التي توفرها، وعن قدرتها على منح الشباب حياة مستقلة، وعن نصيب النساء والمناطق البعيدة منها.

فالعمل ليس رقما يضاف إلى حصيلة الحكومة، بل هو ما يمنح الإنسان شعورا بأنه قادر على بناء مستقبله بجهده، لا أنه مضطر إلى انتظار مساعدة أو البحث عن باب للهجرة. وحين يصبح الاستقرار المهني حلما مؤجلا، فإن الحديث عن الارتقاء الاجتماعي يفقد كثيرا من معناه.

أما إصلاح التقاعد، فيحتاج إلى قدر أكبر من الصراحة. لا أحد يعترض على ضرورة حماية صناديق التقاعد وضمان استمرارها…

لكن السؤال هو: من سيتحمل كلفة الإصلاح؟ هل سيُطلب من الأجراء أن يعملوا سنوات أطول، أو أن يقبلوا بمعاشات أقل، فيما تبقى أسئلة العدالة بين الأنظمة، وحماية المعاشات الضعيفة، وتوزيع المسؤوليات، بحاجة إلى أجوبة واضحة؟

المتقاعد ليس رقما في دراسة اكتوارية. إنه إنسان قضى سنوات من عمره في العمل، ومن حقه أن يعرف إن كان معاشه سيحفظ له الحد الأدنى من الاستقرار، أم أنه سيجد نفسه مضطرا إلى مواصلة العمل أو الاعتماد على أبنائه حتى بعد نهاية حياته المهنية.

وهنا نصل إلى السؤال الذي لا يمكن أن تستقيم الدولة الاجتماعية من دونه: من سيمولها، وبأي قدر من العدالة؟

لا يكفي أن تتحدث الحكومة عن توسيع الحماية الاجتماعية، من دون أن تشرح كيف ستضمن تمويلها المستدام، وكيف ستوزع الأعباء، وما الذي ستفعله لمحاربة التهرب الضريبي، وضمان مساهمة عادلة في تحمل كلفة السياسات العمومية. فمن غير المقبول أن يُطلب من محدودي الدخل مزيد من الصبر والتضحية، بينما لا يجدون أمامهم تصورا واضحا لكيفية توزيع الأعباء والامتيازات.

الدولة الاجتماعية ليست صندوقا للمساعدات، بل اختيار في توزيع الثروة والفرص.

إنها تعني أن تكون الأولوية لمن يحتاج إلى الحماية، وأن تكون الخدمات العمومية في مستوى يجعل المواطن أقل اضطرارا إلى شراء بدائل خاصة، وأن تخضع النفقات للمحاسبة، وأن يعرف الناس أين تذهب الأموال وما الذي تحقق بها.

وإذا كان هناك ما يستحق أن يُسأل عنه في التصريح الحكومي، فهو أيضا غياب أجوبة دقيقة عن المواعيد والنتائج. متى ستظهر آثار هذه الالتزامات؟ ما الميزانيات المخصصة لها؟ كيف سيعرف المواطن أن وضعه تحسن؟ ومن سيُحاسب إذا بقيت الوعود معلقة؟

هذه ليست أسئلة معارضة من أجل المعارضة، ولا تشكيكا مسبقا في كل ما تعلنه الحكومة. إنها أسئلة مواطن يريد أن يعرف الفرق بين برنامج يُعرض أمام البرلمان وسياسة عامة تدخل حياته اليومية. فالوعود قد تكون صادقة، لكن صدق النوايا لا يعوض ضعف التنفيذ، وحسن الخطاب لا يسد نقص المستشفيات، ولا يرفع الأجور، ولا يخلق فرص الشغل.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لشعار الدولة الاجتماعية هو أن يتحول، مع مرور الوقت، إلى عبارة مستهلكة، تكررها الحكومات فيما يظل المواطن ينتظر نصيبه من معناها. فحين يسمع الناس الوعود نفسها مرة بعد أخرى، ثم لا يجدون تغيرا ملموسا في حياتهم، لا يفقدون الثقة في برنامج حكومي وحده، بل يبدأون في الشك في جدوى الخطاب السياسي كله.

لا نحتاج إلى إعلان أن الدولة أصبحت اجتماعية بقدر ما نحتاج إلى أن نرى ذلك في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة: دواء متاح، ومدرسة جيدة، وأجر يكفي، ومعاش يحفظ الكرامة، وعمل مستقر، ومرفق عمومي لا يشعر فيه المواطن بأنه يطلب خدمة منّةً من أحد.

فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بما تقوله الحكومة عن الفقراء، بل بما يتغير في حياة الفقراء. ولا تُقاس بعدد الوعود التي تقدمها، بل بعدد الأسباب التي تجعل المواطن في غنى عن طلب المساعدة أصلا. أما بقية الشعارات، مهما كانت جميلة، فستظل معلقة في الهواء، فيما يواصل الناس تدبير حياتهم على الأرض.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى