
مولاي عبد الله الفيلالي
بين وعود “الدولة الاجتماعية” وامتحان التنفيذ الفعلي، يقف المغرب اليوم أمام سؤال سياسي واجتماعي حارق: هل تستطيع فاطمة الزهراء المنصوري، من موقعها في قيادة الحكومة، أن تجعل من هذه الولاية لحظة إنصاف تاريخية للمغاربة، أم أننا سنضيف مجددا إلى أرشيفنا السياسي برنامجا طموحا آخر يتجاوز قدرة صاحبه على الوفاء به؟
تحمل المنصوري، ومعها حزب الأصالة والمعاصرة، مسؤولية إدارة الشأن العام في بلد يخوض معركة شاقة وممتدة للقطع مع التخلف والتهميش. نعيش في عالم يتشدق بـ”التقدم”، لكنه لا يتوانى عن إنتاج التفاوتات، يبيع الضعفاء أوهام الخلاص، ويطالبهم بالصبر كلما اكتشفوا أن الطريق إلى الكرامة أصعب وأطول بكثير من الطريق إلى صناديق الاقتراع.
غير أن الغرض ليس محاكمة العالم الثالث أو استعادة مرارات الماضي الاستعماري؛ نحن هنا لنطرح سؤالا مغربيا خالصا في لحظة دقيقة:
هل بمقدور المنصوري أن تترك اسمها في سجل الأخيار؟ وهل يمكن للمرأة التي تترأس السلطة التنفيذية اليوم أن تشكل استثناء فارقا في تاريخ الحكومات المغربية، أم أن اسمها سينضاف إلى قائمة طويلة ممن أتقنوا فن الوعد وتركوا للمواطن مرارة اكتشاف الفجوة بين الخطاب والواقع؟
هذا السؤال ليس مجاملة ولا حكما مسبقا؛ إنه تساؤل مشروع عن الفرصة والمسؤولية في وطن تعب فيه المواطنون من الانتظار. تعب المغاربة من حكومات تعدهم بغد أفضل بينما يصارعون تدبير حاضرهم بشدة وتضحيات يومية.
فالعدالة الاجتماعية، كما نعلم جميعا، ليست مجرد ديباجة أنيقة تزيّن البرامج الانتخابية أو شعار يُستهلك في المؤتمرات والخطب؛ الدولة الاجتماعية الحقيقية هي ما يلمسه المواطن في دخله الشهري، وفي جودة مدرسة أبنائه، وفي كرسي الانتظار بالمستشفى العمومي، وفي معاشه عند التقاعد، وفي قدرته على تأمين القفة اليومية دون أن يتحول آخر الشهر إلى كابوس في الحسابات والتعديلات.
وعند التأمل في الوعود المسطرة للبرنامج الحكومي (2026-2031)، نجدها تلامس الملفات الأكثر حرقا: محاربة الفساد والريع، حماية القدرة الشرائية، إصلاح المنظومة التعليمية، ملف التقاعد، والتصدي لمعضلة البطالة لدى الشباب. إنها ملفات لا يعرفها المغاربة من خلال الأرقام والتقارير الوطنية، بل يعيشون كليفتها اليومية من أرزاقهم وأعصابهم.
لكن الإعلان عن الأولويات لم يكن يوما هو الإنجاز. حين تتعهد الحكومة بتجريم الإثراء غير المشروع، وتفعيل التصريح بالممتلكات، ومعاقبة تضارب المصالح، فإنها تضع نفسها أمام امتحان حقيقي لا يحتمل الانتقائية. المغاربة لا يريدون قوانين صارمة على الأوراق فقط، بل يريدون قواعد يسري تطبيقها على الجميع دون محاباة للون حزبي أو نفوذ مالي.
فمحاربة الفساد لا تبدأ بالشعارات البرّاقة، بل بقبول احتمال أن تطال المحاسبة الدوائر المقربة من مراكز القرار نفسه.
وعلى صعيد التعليم، الذي يشكل حجر الزاوية لأي نهضة، تظل الأسئلة قائمة. لسنا ضد التجارب الوطنية لتقويم المدرسة العمومية أو تحسين التعلمات، لكن الخوف كل الخوف هو أن يتحول الإصلاح إلى مجرد وصفات جاهزة ومؤشرات رقمية سريعة تُعرض في التقارير الإدارية، بينما تعاني المؤسسات التعليمية من اكتظاظ الخشبات وغياب التجهيزات، ويُترك الأستاذ والتلميذ في مواجهة واقع مركّب لا ينصلح بالخطابات وحده. المدرسة ليست مصنعا، والتلميذ ليس وحدة إنتاج، والشعار الأهم اليوم هو بناء مدرسة عمومية ضامنة للجودة والإنصاف وتكافؤ الفرص.
أما ملف التقاعد والقدرة الشرائية، فهما الميدان الفعلي الذي لا يمكن للحكومة أن تختبئ فيه وراء اللغة والتسويق الإعلامي. المواطن البسيط والطبقة المتوسطة يلمسون جيدا الغلاء في فاتورة السوق، وتكاليف العلاج، وأثقال النقل والمصاريف الطارئة. التعهد برفع الحد الأدنى للمعاشات أو الدعم الاجتماعي خطوة صحيحة مبدئيا، لكن الاختبار العسير يكمن في سرعة التنفيذ، وضمان العدالة في استهداف الفئات الهشة فعليا، ومواجهة جشع الوسطاء والمحتكرين الذين ينخرون أرباح المنتج ويتعبون جيوب المستهلك.
السيدة رئيسة الحكومة، لا أحد يطالبك بصنع المعجزات في طرفة عين، ولا بمسح اختلالات تراكمت على مدى عقود. لكن قيادة السلطة التنفيذية تفرض تجاوز منطق تبرير الإرث السابق، فالوقت يمر والفرص التاريخية لا تتكرر كثيرا.
النجاح في هذه المرحلة يتطلب حكامة جريئة، وقرارات قد تكون مكلفة سياسيا لكنها منصفة مجتمعيا. والمغاربة اليوم لا يحتاجون إلى حكومة تطلب منهم مجددا الصبر والانتظار، بل إلى حكومة قادرة على تحويل الوعود إلى حقوق ملموسة تُصلح يومياتهم وتحفظ كرامتهم.
سجل التاريخ لا يُفتح بقرار حكومي ولا يُكتب بالبلاغات الرسمية؛ إنه سجل يكتبه الناس بعفويتهم وثقتهم، حين يشعرون بأن مدرسة أبنائهم أضحت آمنة ومجانية بجودة عالية، وأن القضاء والقانون يتساويان أمام الجميع، وأن معاش الشيخ المسن يحميه من العوز.
فهل ستنجح فاطمة الزهراء المنصوري في دخول هذا السجل؟ الجواب لن تقدمه الخطب ولا البرامج، بل ستكتبه نتائج الأيام ومدى أثرها المباشر في معيش المغاربة.




