الرئيسيةسياسة

هل تنهي محاكمة 17 مارس رئاسة جودار لحزب الحصان؟

تتجه أنظار الطبقة السياسية والحزبية بالمغرب نحو المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، حيث يسود ترقب شديد لموعد 17 مارس الجاري، وهو التاريخ الذي حدده القضاء للنظر في الطعن الموجه ضد شرعية انتخاب محمد جودار أمينا عاما لحزب الاتحاد الدستوري.

هذا الملف لا يعد مجرد نزاع قانوني عابر بين فرقاء سياسيين، بل هو انفجار تنظيمي يعيد فتح جراح قديمة داخل حزب “الحصان”، ويضع مستقبل قيادته الحالية على كف عفريت، في توقيت حساس يسبق ترتيبات الخريطة الانتخابية المقبلة.

إن القضاء المغربي اليوم يجد نفسه أمام مسؤولية حسم نزاع في واحد من أعرق التنظيمات الحزبية، وسط اتهامات بخرق القوانين الأساسية والالتفاف على المساطر التنظيمية التي أفرزت القيادة الحالية في مؤتمر فاتح أكتوبر 2022.

لقد كانت كواليس المؤتمر الوطني السادس بالدار البيضاء تشي منذ اللحظات الأولى بأن التوافق الذي صعد بمحمد جودار خلفا لمحمد ساجد كان هشا، وقائما على توازنات هبت عليها رياح الطعون بمجرد انتهاء التصفيق. ورغم أن المشهد صدر للرأي العام على أنه عملية انتقال سلسة لإنهاء حالة الجمود التنظيمي، إلا أن انسحاب المرشحين المنافسين لم يكن نابعا من قناعة تامة بقدر ما كان نتاجا لضغوط وتفاهمات لحظية سرعان ما تبخرت. الطعن القضائي الحالي الذي وضعه أحد المنافسين يضرب في عمق أهلية جودار القانونية وفي سلامة الإجراءات المسطرية، مما يجعل الحزب في حالة “شلل انتظاري” قد يؤدي إلى فقدان الحزب لبوصلته السياسية في مواجهة خصومه التقليديين.

إن الخطورة في هذا الملف لا تكمن فقط في الحكم القضائي المرتقب، بل في “تأثير الدومينو” الذي بدأ يضرب الهياكل التنظيمية للحزب. فالمعلومات الواردة من كواليس الحزب تؤكد وجود تململ واسع بين أعيان الحزب ومنتخبيه الكبار، الذين يمثلون العمود الفقري والقوة المالية والانتخابية للاتحاد الدستوري.

هؤلاء الأعيان، الذين لا يؤمنون كثيرا بالصراعات الإيديولوجية ويفضلون الاستقرار التنظيمي لضمان مقاعدهم، بدأوا يشعرون بأن سفينة جودار قد تغرق، وهو ما دفعهم للبحث عن قوارب نجاة بديلة. هذا الوضع يفتح الباب على مصراعيه أمام ظاهرة “الترحال السياسي” المقنع، حيث بات الحزب مهددا بنزيف حاد في كتلته البرلمانية والترابية.
وفي هذا الصدد، تبرز التحركات الأخيرة لأسماء وازنة كإشارة إنذار قوية لقيادة الحزب، وعلى رأسهم محمد الزموري، المنعش العقاري والقطب الانتخابي بجهة طنجة تطوان الحسيمة. الزموري، الذي يمثل ثقلا سياسيا لا يستهان به في الشمال، لوح صراحة بإمكانية مغادرة الحزب ومعه أربعة برلمانيين آخرين، والوجهة المرصودة هي حزب الحركة الشعبية الذي يقوده محمد أوزين.

هذا الانتقال المحتمل ليس مجرد تغيير للون الحزبي، بل هو ضربة قاضية لطموحات الاتحاد الدستوري في الحفاظ على فريقه البرلماني، وتحول نوعي في موازين القوى لصالح “السنبلة” التي تتحين الفرص لتقوية صفوفها بأعيان الشمال والوسط، مما يضع حزب المعطي بوعبيد في مواجهة خطر الاضمحلال الانتخابي.

إن الأزمة الحالية تعري واقع الأحزاب المغربية التي تعتمد على “الأعيان” أكثر من “البرامج”، حيث يتحول الصراع على الأمانة العامة إلى صراع على النفوذ وتوزيع التزكيات. الاتحاد الدستوري، الذي تأسس في ثمانينيات القرن الماضي ليكون “حزب الإدارة” والمدافع عن الليبرالية، يجد نفسه اليوم غارقا في تفاصيل قانونية وتقنية أمام المحاكم، في وقت كان عليه أن يستعد فيه لتقديم بدائل اقتصادية واجتماعية. إن غياب الديمقراطية الداخلية الحقيقية واعتماد منطق “التوافقات الفوقية” هو ما أوصل الحزب إلى ردهات المحاكم، وجعل شرعية أمينه العام رهينة بقرار قضائي قد يصدر في جلسة عابرة ليقلب الطاولة على الجميع.

على صعيد آخر، يراقب الخصم والحليف ما ستسفر عنه جلسة 17 مارس بكثير من الدهاء السياسي. فإذا قضت المحكمة ببطلان انتخاب جودار، سنكون أمام سيناريو “الفراغ القاتل” الذي قد يستوجب تعيين لجنة مؤقتة لتصريف الأعمال والدعوة لمؤتمر استثنائي، وهو مسار محفوف بالمخاطر في ظل التفسخ الحالي للروابط الداخلية.

أما في حالة تثبيت جودار، فإن المعركة لن تنتهي، بل ستنتقل إلى مربع “العناد التنظيمي”، حيث قد يختار الجناح الغاضب الانشقاق الفعلي أو تجميد الأنشطة، مما يعني دخول الحزب للانتخابات المقبلة بجسد عليل وقواعد مشتتة، وهو السيناريو الذي يخدم حصرا الأحزاب المنافسة التي تتربص بقواعد الاتحاد الدستوري في معاقله التاريخية.

للإشارة، فما يحدث في الاتحاد الدستوري هو مرآة لأزمة أعمق تضرب المشهد الحزبي المغربي، حيث تصبح المحاكم هي “المؤتمر الوطني” الحقيقي الذي يحسم في هوية الزعماء.

وبينما ينتظر جودار وخصومه كلمة القضاء، يظل السؤال المعلق: هل يستطيع حزب الحصان استعادة بريقه التاريخي والقفز فوق حواجز الطعون القضائية، أم أن جلسة مارس ستكون المسمار الأخير في نعش وحدة الحزب، ليعلن رسميا عن بداية رحلة التيه نحو المجهول السياسي والانتخابي؟ الأيام القليلة القادمة كفيلة بكشف المستور وتحديد من سيقود الحصان، ومن سيترجل عنه مجبرا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى